وقال بعضهم: حكمه حكم الصحيح حتى يصيبه ذلك المرض. ولعل من قال برجوع المائة والخمسين من الثلث بناء على أن حكم المعترف يومئذ حكم المريض المحجور عليه، لا سيما وقد وقع في كلام المتقدمين من أئمتنا ما يستروح منه ثبوت الخلاف في ذلك، وهو اختلافهم في إقرار المقر عند خروجه لحج أو غزو أو سفر، هل حكمه حكم إقرار الصحيح أو حكم إقرار المريض؟ فقال مالك وابن القاسم وابن وهب مرة: إنه كإقرار المريض. وقالوا أيضًا إنه كإقرار الصحيح. وصوبه أصبغ وإليه رجع ابن وهب.
قلت: إنما يحسن تمسك الخصم بقول من مسألة الخلاف إذا أخذه حجه للعمل فقط، وأما إذا أضاف إلى ذلك تخطئة خصمه فلا، لأن مسألة
الخلاف لا تقوم بها حجة، على أن ما ادعاه الخصم من خروج المائة والخمسين من الثلث، ولو بنينا على أن الإقرار بها في مسألتنا حكمه حكم الإقرار في المرض، لأنه يتعين حينئذ القول ببطلان ذلك رأسا، فما دلت عليه قرائن الأحوال من حصول التهمة وقوتها في جانب المقر بسبب انسحاب حكم المرض عليه مع ما انضاف إلى ذلك من عداوة أخيه، وكون المقر إليه في حكم الصديق الملاطف، حسبما يتبين بعد.
[التهمة معتبرة في إقرار المريض]
وقد نص أئمتنا رضي الله عنهم على أن أصل قول مالك الذي يعتمد عليه في باب إقرار المريض اعتبار التهمة، وأن العادة متى شهدت بالتهمة في الإقرار تبطل، ومتى شهدت بارتفاعها اعتبر، ومتى اضطربت العادة وأشكل أمرها، جاء الخلاف فمن أمضى الإقرار اعتبر ارتفاع التهمة، ومن ردها اعتمد حصولها واعتقادها. والبناء على هذا الأصل يحقق لك ما قلناه.