فإن قلت: هذا الأصل الذي قررته حسن من جهة الفقه لو ساعده النقل، لكنه لم يساعده. ألا ترى أن الجري على هذه القاعدة يقتضي بطلان الإقرار في مسألتنا قولًا واحدًا؟ وقد وجدنا في المذهب ما يدل على الخلاف في إعمال الإقرار وإبطاله فيها، وهو قول ابن رشد رحمه الله تعالى. واختلف في المريض الذي يورث كلالة إذا أقر لمن لا يعرف، فقيل إنه إن أوصى أنه يحبس ويوقف حتى يأتي لذلك طالبن فذلك جائز من رأس المال، وإن أوصى أن يتصدق به عليه لم يقبل قوله، ولا يخرج من رأس المال ولا من الثلث.
وقيل إنه يكون من الثلث وهذا القول قائم من كتاب المكاتب من المدونة (1) .
وقيل إن كان يسيرًا جاز من رأس المال، ووقف فإن لم يأت له طالب تصدق به وإن كان كثيرًا لم يجز في رأس المال ولا في الثلث. هذا حاصل
كلام ابن رشد، وهو منطبق على مسألتنا كما ادعيناه. فأين ظهور راجحية القول بالبطلان؟ فضلًا على حصول الاتفاق عليه.
قلت: لم يخرج كلام ابن رشد عن الأصل الذي قررنا، بل هو راجع إلى القسم الثالث منه الذي وهو موضع الخلاف، إلا أنه لا يحسن التمسك بكلامه هذا فيما نحن فيه، لضعف التهمة في مسألته التي تكلم عليها عن التهمة الحاصلة في مسألتنا. وقوة هذه بوجود العداوة المذكورة.
[المقايسة بين المسائل، لا بد فيها من الالتفات إلى الخصوصيات المثيرة للفوارق]