والمقايسة بين المسائل لابد فيها من الالتفات إلى الخصوصيات المثيرة إلى الفوارق، وعلى أن لو قلنا بتساوي المسألتين تنزلا فليس في تلك الأقوال المتقدمة التي حكاها ابن رشد ما يدل على صحة الإقرار الكائن في مسألتنا. إلا القول الثاني القائم من المدونة. وهو قول ضعيف مبني على تقييد يمتنع تناوله لمسألتنا ويتبين ذلك بجلب كلام المدونة وكلام الشيوخ عليها. قال في كتاب المكاتب من المدونة: قال ابن القاسم: وإن كاتبه في صحته وأقر في مرضه بقبض الكتابة منه، فإن ورث كلالة والثلث لا يحمله لم يصدق إلا ببينة. وإن حمله الثلث صدق، لأنه لو أعتقه جاز عتقه. قال غيره إذا اتهمه بالميل معه والمحاباة له لم يجز إقراره حمل الثلث أم لا، ولا يكون في الثلث إلا ما أريد به الثلث. وقاله ابن القاسم أيضًا غير مرة انتهى.
قال الشيخ أبو الحسن (1) : قوله: وإن حمله الثلث صدق: ظاهره إن كان الثلث فارغا من الوصايا أم لا وقال عبد الحق (2) عن بعض القرويين: إنما يصح ما ذكر إذا كان الثلث فارغا من الوصايا بشيء، أما إن كان أشغل الثلث بوصايا فهذا أحب أن يستغرق وصاياه ثلثه.
ويخرج العبد الذي أقر أنه قبض كتابه من رأس ماله، فهو كالقائل: أعتقت عبدي في صحتي فلا يعتق. وحكي عن بضع شيوخنا القرويين أنه
قال: سواء أشغل الثلث بوصايا أو لم يشغله، يجوز إقراره إذا كانت الوصايا مما يبدأ عليها عتق هذا العبد. انتهى. فأنت ترى ما قيدت به مسألة المدونة كيف أوجب في مسألتنا بطلان الإقرار كما قلناه.