فإن قلت: لا يلزم من بطلان الإقرار في مسألة كتاب الوصايا بطلانه في مسألة الإقرار للمجهول، لضعف التهمة في هذه وقوتها في تلك.
قلت: لا نسلم ضعف التهمة في مسألة الإقرار للمجهول، بل هي قوية أيضًا. وسبب قوتها بين. وذلك أن الإقرار للمجهول طريق إلى إخراج المال في وجه لا يعلم حقيقته إلا من قول المقر. وربما لم يكن له أصل، وإنما حابى بذلك نفسهن بخلاف الإقرار للمعين فإنه ينظر فيه إلى حال المقر والمقر له في الصداقة وغيرها مما يوجب قوة التهمة أو ضعفها، ليترتب على ذلك الحكم بإعمال الإقرار أو إلغائه. ولما تعذر هذا النظر في الإقرار للمجهول سلك العلماء فيه مسلك الاحتياط، وجعلوا حكمه قريبًا من حكم الإقرار للصديق الملاطف.
ويدل على صحة ما قلناه إقامة ابن رشد المتقدمة في مسألة كتاب المكاتب في مسألة الإقرار للمجهول، مع أن حكم المكاتب على مذهب المدونة حكم الصديق الملاطف على ما ذكر بعض الشيوخ. ولما خرج ابن رشد الخلاف من مسألة المكاتب في مسألة الإقرار على تساوي المسألتين عنده في التهمة.
فإن قلت: سلمنا أن التهمة في هذا الباب إذا قويت بقرائن توجب ذلك فإنها مبطلة للإقرار رأسا كما ذكرت، لكن لا نسلم قوتها في مسألتنا لأن بإزاء قيام التهمة من جهة عداوة الأخ الحاضر ارتفاعها بالنظر إلى جانب الأخ الصديق المسافر، متى قويت التهمة بالنظر إلى جهة ضعفت بالنظر إلى جهة أخرى، لأن هذا الإقرار لو كان ضرره قاصرا على الأخ العدو، لقلنا بقوة الريبة والتهمة، لكن عم ضرره الصديق والعدو، فضعفت التهمة فيه، لتقابل الطرفين، وذلك يوجب الرجوع بنا في المسألة إلى محل الخلاف من الأصل المتقدم. ويدل على اعتبار صحة هذا المعنى قول بعض كبار الشيوخ: اختلف في الإقرار إذا تطرقت التهمة إليه من جانب، وارتفعت من