ففي ذلك دليل واضح على صحة ما قلناه وثبت ما قررناه.
واعلم أن هذه المسألة جمعت بين الوصية والإقرار. ولذلك تجدهم يعبون عنها بالإقرار تارة وبالإيصاء أخرى، وذلك باعتبارين: لأنه من حيث اعترافه بأنه دين تقرر في ذمته لرجل آخر، هو إقرار. ومن حيث إنه أوصى أن يخرج عنه فهو وصية.
وقولهم لا تسلم أنه أوصى به أن يخرج بعد موته بل صدر منه الاعتراف مجردًا ساقط، لأنه لما رسمه في كتاب عهده وأشهد على نفسه بجميع ما احتوى عليه الكتاب وأبقاه عند نفسه إلى أن مات، وقال: إذا مت فادفعوا كتاب عهدي للناظر فيه، كان ذلك أقوى دليل على تعليق تنفيذه على موته، ولا معنى للوصية إلا ذلك، فيجب إجراء حكم الوصية عليها على مقتضى ظاهر الروايات مما سبق. ولا قائل بأنه يخرج من رأس المال.
وقد اجتهدت بالبحث البالغ والمطالعة التامة لعلي أجد نص رواية فيمن اعترف بدين لمجهول في صحته وأوصى أن يتصدق به عنه بعد موته، وورث بكلالة، والمال له بال أنه يكون من رأس ماله باتفاق أو اختلاف فلم أعثر عليه بوجه.
وإذا ثبت أن المسألة ليس فيها إلا القولان: إخراجها من الثلث أو عودها ميراثا فنظرت في أي القولين أرجح؟ فوجدت الإخراج من الثلث، وهو القائم من المدونة. ووجهه أنه لما احتمل أن يكون صادقًا وأن يكون كاذبًا قاصدًا محاباة نفسه، كان الإخراج من الثلث عدلًا بينه وبين وارثه مع ما فيه من الاحتياط للميت، وغير إضرار بالوارث، لأنه بتقدير صدقه برئت ذمته من دين الرجل، وبتقدير كونه أراد محاباة نفسه بالزيادة على الثلث، فقد انتفع به في ثلثه، ولا ضرر على الوارث في الوجهين جميعًا. ثم وقعت المشاركة مع القاضي سدده الله ووافق على ذلك وأعلم الوارث بذلك فسر به وقبله ورضيه باختياره، لأنه كان يتخوف أن يكون الإخراج من رأس المال. فبعد هذا كله، صرف الناظر الدنانير المذكورة على الضعفاء والمساكين حسبما اعترف العاهد المذكور.