فأما الفصل الثاني فبناه الأصحاب وفقهم الله أجمعين، وجعلني وإياهم لطريق الهدى متبعين، على ما زعموه عن الفصل الأول، من أنه لما كان اعترافا في الصحة، وجب كونه من رأس المال، وقد تقرر بطلانه فيما أمليناه. ثم على تسليم أنه من رأس المال زعموا أن النظر في إخراجها لغير المعهود إليه في كتاب الوصية، حتى غلا بعضهم وزعم أن الناظر في الثلث متعد في صرفها وذلك بعد مضي ثمانية أشهر من موت العاهد المذكور. وهذا كما ترى غير مرضي عنه، فإنه غلو ظاهر، وبعد كثير، وجل أصحابه لا يرضون منه ذلك، ثم أقول هب أن الواجب الإخراج من رأس المال، فالنظر في صرفها إنما هو لصاحب العهد لا إلى غيره، فإن القائل بأن الصرف إلى غيره مخطئ لا شك فيه وعلى صارفه بغير إذن صاحب العهد درك عظيم فيما بنيه وبين الله تعالى، وذلك أنه لما صدر الموصي وصيته بأنه عهد بجميع ثلثه وختمها بما يفعل الناظر في باقي ثلثه، وتوسط في أثناء ذلك الإقرار المذكورة وغيره مما اعترف به من الكفارات وغيرها، وقال في خاتمه: على نظر فلان، واستثنى منه فصلا واحدًا، جعل النظر فيه إلى إمام الجامع الأعظم وسكت عما سواه، وكان قال: إذا مت فادفعوا كتابي هذا لفلان المعهود إليه بالنظر في وصيته ممن له معرفه بمواضع الألفاظ، وشدا [1] طرفًا من الأصول، وعرف ما ذكره الفقهاء في صيغة الوصية، فلا يشك ولا يرتاب أن النظر في جميع ما اشتمل عليه كتاب عهده إنما لفلان المذكور، سواء كان مما يتعين إخراجه من الثلث أو مما أوجب الحكم فيه أن يكون من رأس
المال، فإذا انضاف إلى هذا القول الشهود ما فهمنا عنه إلا أن النظر لفلان في جميع ما تضمنه الكتاب، كان النظر أتم، وإلا فالنظر الأول وحده كاف.
(1) كتب في المطبوعة الحجريةك بذال معجمة بعدها (كذا) وفي النسخة الخطية (وشدا طرفًا) بدال غير معجمة، وهو الصحيح. إذ (شدا من العلم شيئًا) بمعنى (أحسن طرفًا منه) .