فهرس الكتاب
ولم أشعر أنه شيطان شر, وجزء خديعة ومكر, وإن عقاربَهُ تَدُبُّ وأفعى مكايده تلسع وملابسته اياي تضر ولا تنفع, حتى لج في المكابرة والعناد, وأنكر مالي عليه من الحقوق الجمة والأياد, وأظهر ما انطوى عليه باطنه من الضغائن
[253/1] والأحقاد, فقابل الاحسان باساءة, وتعرض لاذايتي صباحه ومساءه, وكنت بذلك جديرًا لكوني منحت العلم غير أهله, ووضعت الاحسان في غير محله, ولله درأ بي حيان في قوله.
إذا وُضِع الاحسان في الخب لم يفد ... سوى كفره والحر يجزى به شكرا
كغيث سَقَى الأفعى فجادت بسمها ... وصادف أصدافًا فأثمرت الدرا
وحين تقرر عندي, وتحصل في خلدي, ما انطوى عليه من فاسد الاعتراض نبذته نبذ الحر المرقع وأعرضت عنه كل الاعراض, وهو مع ذلك مستمر على ديينه من الإذاية, والضرب في سبيلها إلى أقصى حد وأبعد غاية, إلى أن سولت له نفسه الرد علي, وتفويق سهام النقد إلي.
وإن عناء إن تعلِّم جاهلًا ... فيحسب جهلًا أنه منك أعلم
فجهل قدره, وتعدى طوره, ونظر بعين الكمال لشخصه, وحجبه دخان الهوى عن إدراك نقصه, ورأى أنه يأتي بالأمر من فصه,
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه مالا يرى
فحمله ذلك على الأقدام على المهالك, والتعرض للإعتلااض من غير معرفة بالقواعد والمدارك, فبنى وعلىّ, وأذَن بغير طهارة وصلى, وجلب بخيله ورجله, وجمع وريقات فيها مستور جهله, وأعرب عن فساد نتائج عقله, وأودعها الرد على جوابي على المسألة الثانية من المسألتين اللتين قدمنا ذكرهما, فبعث بذلك إلي, مستظهرًا به علي. فلما تأملته وجدت خطأه أكثر من صوابه, وجفاءه أغرز من آدابه, وألفيت ما اعتتَنَى بجمعه وتلفيقه, لم يصحبه فيه شيء من تسديد الله تعالى وتوفيقه.
إذا لم يكن عَوْنٌ من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتِهَادُهُ