قلت: لا شيء على أحد من هذه الأصناف كلها في كنس النهر المذكور لاستقرار مائه وتكثيره وتمكن كل واحد لمنفعته على الحالة التي هي عليه، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جدًا. فمن ذلك ما في حريم الآبار من المدونة، قال: وإذا احتاجت قناة أو بير بين شركاء لسقي أرضهم إلى الكنس لقلة مائها، فأراد بعضهم الكنس وأبى الآخرون، إلى قوله فكذلك بير الماشية. قال: وللذين شاءوا الكنس أن يكنسوا ثم يكونوا أولى بما زاد في الماء كنسهم دون من لم يكنس، حتى يردوا حصتهم من النفقة، فيرجعوا إلى أخذ حصتهم من جميع الماء. ووجه الدليل من هذه المسألة واضح، وهو أنه رحمه الله قال: إذا حدث بالماء ضرر وانتقاص من ترك الكنس وفي الماء قبل كنسه ما يكفي الذين أبوا الكنس خاصة، لا شيء على الذين أبوا الكنس، وكذلك أرباب الدور في النازلة المذكورة، كلُّ واحد منهم قد حصلت له منفعته الخاصة به من ماء النهر المذكور، مع بقائه على حاله من غير كنس، وتمكن منها على الكمال والتمام. فمن تعطلت عليه منفعتها أو شيء منها من أرباب الجنات وأرادوا الكنس والزيادة في ماء النهر المذكور ليحصل ما تعطل عليه من المنفعة، فذلك عليه خاصة، دون من حصلت له منفعته واستوفاها من الأصناف الستة التي ذكرناها.
[12/8] سؤال: فإن قيل ما ذكره من الحكم في مسألة المدونة المذكورة إنما هو في الماء المتملك الأصل، وليس الأمر كذلك في مسألة النزاع.
والجواب من وجهين: أحدهما أنه قال في المدونة بإثر المسألة المذكورة: وكذلك بئر الماشية، وهي غير متملكة الأصل، فدل أن المتملك الأصل وغيره بالنسبة إلى الحكم المذكور سواء. الثاني أنه إذا كان الآبي من الكنس لا يجبر عليه في المتملك الأصل على الحالة الموصوفة، ففي غير المتملك الأصل أحرى وأولى أن لا يجبر، وذلك واضح لا خفاء به وبالله التوفيق.