ومن ذلك ما نقله ابن يونس في كتابه اثر مسألة المدونة المذكورة، وهو أنه قال في بئر السقي والطواحين إن استوت أو خربت قبل أن يصل الماء إلى انتفاع أحدهم، فكنسها على جميعهم، إذ لو لم يصح ذلك لم يصل الماء إلى واحد منهم. فإذا بلغ الكنس إلى الأول وتم له الانتفاع من غير ضرر يلحقه لو لم يكنس بقيتها ارتفع الكنس عن هذا وكنس الباقون. ثم إذا تم الانتفاع للثاني أيضًا ارتفع عنه، وكذلك الثالث والرابع إلى آخرهم. ووجه الدليل من هذه المسألة من وجهين، أحدهما من جهة المنطوق، والآخر من جهة المفهوم. فأما الذي من جهة المنطوق هو أنه قال: إذا بلغ الماء إلى الأول وتم له الانتفاع من غير ضرر يلحقه ارتفع الكنس عنه، وكنس الثاني والثالث، ثم كذلك الباقون إلى آخرهم، وأما الذي من جهة المفهوم فهو أنه قال: يجب الكنس على الجميع، فإنه لو لم يكنس لم يصل الماء إلى واحد منهم، فدلت المسألة من منطوقها ومفهومها على أنه لا كنس على واحد من أرباب الدور، لأنه قد وصل إلى منفعته من ماء النهر المذكور تمّ له كذلك على التمام والكمال من غير ضرر يلحقهم لو لم يكنسوا. وإذا كان كذلك فالكنس على من طلبه من أرباب الجنات لسقي خضرهم وثمارهم، دون أرباب الدور الذين لا ضرر عليهم في ترك الكنس، وهذا واضح فاعلمه! وبالله التوفيق.
وهذه كلها نصوص بادية السبب واضحة الظهور تدل على أن لا شيء على أحد من أرباب الدور في كنس النهر المذكور وبالله التوفيق.
وها هنا أسئلة ترد على ما تقدم:
أحدها، فإن قيل إن كنس النهر المذكور لو لم يكن للزيادة في مائه كما زعمتم، بل إنما كان ذلك خوف امتلائه بما تحمله إليه السيول والأمطار
[24/8] ويبقى فيه من الأزبال والأقذار حتى يفيض على أرباب الديار، وإذا كان كذلك فلم قلتم إنه لا يجب الكنس على أرباب الديار في هذه الحالة؟