الصفحة 4185 من 6465

فأما إن نواها ولم تصح القربة منه، أو صحت القربة منه ولم ينوها فإنه غير محتسب له بها، والذي إن نوى على زعمه القربة فإنه لا تصح منه، إذ لا يعرف الله عز وجل، فكيف يتقرب إلى من لا يعرفه، فبطلت حرمة أحباسهم من هذا الوجه، وبطلت أيضًا من جهة ما سُبّلت فيه، إذ لا يخلو المحبس منهم في هذا الوجه أن يريد بذلك إن فاق الكنائس فقط، فهو إرفاقٌ في معصية صاحبها آثم فيه، بلا خلاف، إذا الخلاف الذي في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا إنما حقيقته في الأوامر لا في النواهي، وإرفاق الكنائس من باب النواهي هو لا من باب الأوامر وإن كان أراد المحبس إرفاق عُمّار الكنائس فهو أشد من ذلك، وإن كان أرادهما جميعهًا فقد بَاءَ بإثم من ناحيتين: تحبيس هذه الأحباس منهم على ما أقرها على حكم ما سبلها فيه فهي مستمرة في بِرٍّ كما أن أفعاله كلها في غير بر، فإن أراد الرجوع فيها هو أو وارثه كان ذلك له ولهم، إذ إنما تملك بالتحبيس الصحيح الذي يتقرب به المسلم منافع الأعيان المحبسة لأقاربها، فكيف بالتحبيس الفاسد الذي لا قربة فيه؟.

[60/8] فكان للمحبس عليه فوائد ما استَدَرَّ من هذه الأحباس الفاسدة بحكم تسلطه على ذلك، ولا شيء له في مؤتنف ذلك، إذ أصل التحبيس كان على غير لازم لكونه قربة حسبما تقدم بيانه، وإن كان الذي لا يمنع البدء في رقبة وهبها الذمي وحيزت عنه أحد القولين في هذا، فأحرى أن لا يمنع ذلك في منفعة لم تحز عنه جميعًا، وإذا أسقط هذا ما انتفع منها به ولا يرجع عليه بقيمة ما انتفع به لأجل أنه سلط عليه. وإنما لم يكن للذمي أن يرجع في عتق عبده إذا أخرجه عن يده لتعلق حق المسلمين بالجزية [1] فصار حقًا بين مسلم وذمي يوجب أن يكون على حكم الإسلام على أصح القولين في هذا النوع، كما لو وهب لمسلمٍ شيئًا لكان الأصح ألا رجوع له فيه، لأنه أيضًا حكم بين مسلم وذمي فليعلم هذا.

[بيع الذمي ما حبَّسه]

(1) في نسخة: بالحرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت