الصفحة 51 من 6465

قلت: أما الحديث فمعنى الحدث فيه هو الحدث الأصغر, ولا يتناول الأكبر لوجهين: الول قوله صلى الله عليه وسلم حتى يتوضأ, فإن مفهوم الغاية يقتضي أنه بعد الوضوء لا يبقى محدثًا, وأن تناول الأكبر لما صح ذلك, إذ لا يرفع حدثه الوضوء. ولا يدعى في الكلام إضمار يتم معه دعوى مناولة الأكبر, لأن الإضمار على خلاف الأصل, فيحتاج مدعيه إلى دليل والأصل عدمه. الثاني تفسير الحديث له بذلك, وهو أبو هريرة حين قاله له: ما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فساء أو ضراط. فاقتصر على الإشارة إلى أنواع الأصغر, ولم يقل أو جماع أو نحوه. وأما الآية فلا تصح إرادة الأكبر من صدرها للإقتصار على تعليق الوضوء عليه كما قدمنا في الحديث ولأنه جعل قسيم وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا, فلا يكون مرادًا منه, وأنا هو مراد قوله تعالى وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا.

[46/1] وحينئذ لقائل أن يقول: لا نسلم تقييد الأمر باطَّهَّروا بالقيام إلى الصلاة مطلقًا, ولا مقيدًا بالحدث والنوم. قولكم أن المعطوف على مقيد يتقيد بتقييده. قلنا لا نسلم للإختلاف فيه, سلمنا لكن لا نسلم عطف وإن كُنْتُمْ على ما تقيد بالقيام إلى الصلاة, بل إن عطف على إذا فلا يقتضي التقييد, فيكون أمرًا بالطهارة من الجنابة مع القيام إلى الصلاة للإجماع على أنه لا يجب في غير تلك الحالة, إن سلم هذا افجماع, لكن دلالة الآية على طلبية الوضوء عند القيام إلى الصلاة آكد من دلالتها على ذلك في الغسل من الجنابة عنده, ولذا جيء مع الوضوء بإذا التي هي للتحقيق, ومع الغسل بأن التي هل للشك, على نظر في هذا لا يخفى. فتلخيص من هذا كله أن دلالة العموم في الآية على طلبية الوضوء للصلاة مع الحدث الأصغر آكدُ منها على طلبية الغسل بها مع الأكبر, فلا يلزم من إلغاءالأضعف من حيث الدلالة عليه إلغاء الأقوى من حيث ذلك والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت