27/10] فأجاب: تصفحت يا سيدي أعزك الله بطاعته وتولاك بكرامته ونفعك باجتهادك وفهمك وبحثك عن حقائق الأشياء بحسن تدربك ، وأدام الإمتاع بك وأنام أعين الحوادث عنك برحمته . وما ذكرته أعزك الله من أن يمين الحكم فيمن أثبت دينًا على غائب وشبهها إذا كان موضوعها استيفاء حق الغائب فيما عسى أن يدعيه فيلزم على قياس ذلك إذا استحلف ثم تأخر القضاء أن تعاد عليه ، إذ لو كان حاضرًا فادعى عليه أنه قضاه بعد ذلك أو وهبه لكان له أن يستحلفه والناس على خلاف ذلك ، فالجواب عليه أن ما الناس عليه من أن اليمين لا تُعادُ عليه هو الصواب ، إذ لو أُعيدت عليه اليمين ثانية عند القضاء بذلك لاحتمال أن يكون حقه قد وصل إليه في خلال تلك المدة لوجب أن تعاد عليه أيضًا كما لو حلف وجاء أن يقبض الحق لاحتمال أن يكون قد وصل إليه حقه مع من بعث إليه به معه في طريقه من المسجد الجامع إلى دار القاضي إلى ما لا نهاية له ، وذلك مما لا خفاء في بطلانه ، واليمين الأولى التي استحلف بها لا نص على وجوبها لعدم الدعوى عليه بما يوجبها إلا أن أهل العلم رأوا ذلك عليه على سبيل الاستحسان نظرًا للغائب وحيطة عليه وحفظًا على ماله للشك في بقاء الدين عليه وسقوطه عنه . فإذا حلف مرة وتأخر القضاء لم يصح أن يحلف ثانية بالتوهم المحتمل ، ولا يشبه ذلك إذا كان صاحبه حاضرًا فادعى عليه أنه قد قضاه بعد ذلك أو وهبه إياه ، لأن اليمين واجبة عليه في هذا الموضوع لنص قول النبي صلى الله عليه وسلم « الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى والْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ » [1] . ولو تأخر بعد يمينه إلى أن جاء الغائب وأقام معه مدة ثم غاب لوجب أن لا يقضى حقه حتى يحلف ثانية ، لأن الشك ها هنا حاصل كما كان أول مرة .
(1) حديث .