وسئل من فقهاء طنجة عن جماعة ممن ينتسب إلى العلوم ، ويتميز عن العوام بالمحفوظ والمفهوم ، تذاكروا شأن الفتوى والمفتي وكلهم يشير إلى نفسه بالاستحقاق وإلى أبناء جنسه بالاستخفاف وأكثروا الخوض في الاجتهاد والتقليد ، والفرق بين الذكي والبليد ، وفيمن التفت عليه أطراف تلك الساعة ، ممن لا يسلم لواحد من تلك الجماعة ، فقال: الفتوى على الإطلاق محصورة وغير محصورة ، فالتي هي غير محصورة إظهار الأحكام الشرعية بالانتزاع من الكتاب والسنة والاجماع والقياس ، والفائز بهذه الرتبة هو الفقيه النظار . وليست الفتوى بالفقه المشهور ، ولكنها ثمرة ومعرفة الفقه . فأما الحافظ الذاكر لما في أمهات مسائل مذهبه من الأحكام الشرعية فهو الفقيه المقلد ، وقد اختلف العلماء في جواز فتياه ، وذلك بشرط أن يكون له من الذكاء والفطنة وسلامة القريحة ما يميز به فيها ما هو من المذهب وما ليس من المذهب وما هو مجمل وما هو مفسر ، ويميز في الروايات بين ما هو خلاف قول وبين ما هو خلاف حال ، وما هو خلاف لفظ وبين ما لا ينبني [1] من الروايات وما ينبني [2] .
[31/10] وبالجملة فالمقصود أن يحصل عنده اما المذهب منقولًا بوجه صحيح وأن يحصل في كل ما له أن يفتي به من المذهب يقين أو ظن غالب . فإذا نزلت نازلة وأفتى من هذه صفته بما وجده في كتاب من كتب مذهبه بالفتوى التي هو عالم بأنها هي المشتملة على حكم تلك النازلة بعلم قاطع أو ظن قاطع لم ينتزع ذلك من الكتاب ولا من السّنة ولا من الاجماع ولا من الاعتبار ، فتلك الفتوى فتوى تقليد ، وذلك المفتي هو الفقيه المقلد .
(1) في نسخة: ينبغي .
(2) في نسخة: ينبغي .