الصفحة 5398 من 6465

والذي في حفظي من مذهب مالك رحمه الله أنه لا تجوز فتواه على الإطلاق ، وبه قال جمهور العلماء خلافًا لأحمد بن حنبل ومن أخذه بقوله . ولابد للرجلين ، يعني الناظر والمقلد ، من الورع في فتواه حتى لا يفتي واحد منهما في حق جميع الخلق إلاّ بما هو الحكم عنده . فأما الفقيه المقلد إذا لم يكن له من الذكاء والفطنة وكمال القريحة والفطرة ما يميز به ما ذكرناه من الوجوه فليس للفتوى إليه طريق ، ولا له في أربابها فريق . فإذا تعرض للفتوى فقد تعرض لما لا ينبغي ، ولعله من الجهال المشار إليهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « أنَّ اللهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ مِنَ النَّاسُ انْتِزَاعًا ولكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسَ رُؤسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلوا فَأَفَْتَوْا بِغَيْرِ عِلْم فَضَلوا وَأَضَلُّوا » [1] . هذا معنى ما وقر في المجلس المذكور وفيه زيادة تكميل وبيان . فلما سمعته الجماعة المذكورة أنكرته إنكارًا ، واعتقدت صاحبه حمارًا ، وزعم بعضهم أن هذا المذهب محال ، لأن الأحكام ضرورية الوجود في كل مرة ، والإمام النظار لا يوجد البتة ، أو يوجد قليلًا جدًا لا يمكن أن يعم بفتواه جميع أقطار المذهب قال وقد زعمت أن فتوى المقلد لا تجوز في مذهب مالك ، وأن فتوى الثالث لا تجوز في مذهب أحد .

[ابن رشد إمام الغرب الإسلامي وفقيهه المجتهد في القرن السادس]

(1) حديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت