فأجاب أمتع الله المسلمين ببقائه ، وزاد في رفعته وعلائه ، بما هذا نصه: تصفحت أرشدنا الله وإياك إلى الصواب ، جميع ما سئلت عنه ، ووفقت على ما استفتحت به السؤال من أن جماعة ممن ينتسب إلى العلوم ، ويتميز عن جملة العوام في المحفوظ والمفهوم ، تذاكروا شأن الفتوى والمفتي ، فاختلفوا في معنى الفتوى وفي صفة المفتي . والذي أقول به في هذا أن الجماعة التي ذكرت أنها تنسب إلى العلوم ، وتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم ، تنقسم على ثلاثة طوائف ، طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدًا من غير دليل ، فأخذت نفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه دون أن تتفقه في معانيها فتميز الصحيح منها من السقيم ، وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها من صحة أصوله التي بناه عليها ، فأخذت أنفسها أيضًا بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه وتفقهت في معانيها ، فعلمت الصحيح منها الجاري على أصوله من السقيم الخارج عنها ، إلاّ أنها [33/10] لم تبلغ درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الأصول ، وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها أيضًا من صحة أصوله فأخذت نفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه وتفقهت في معانيها ، فعلمت الصحيح منها الجاري على أصولها من السقيم الخارج عنها ، وبلغت درجة التحقق بمعرفة قياس الفروع على الأصول بكونها عالمة بأحكام القرآن عارفة بالناسخ منها من المنسوخ والمفصل من المجمل والخاص من العام ، عالمة بالسنن الواردة في الأحكام ، مميزة بين صحيحها من معلولها ، عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار ، وما اتفقوا عليه واختلفوا فيه ، عالمة من علم اللسان وما تفهم به معاني الكلام بصيرة بوجوه القياس عارفة بوضع الأدلة فيها مواضعها .
[المفتون في نظر ابن رشد أصناف ثلاثة]