وقال مالك لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلًا لذلك ويرى هو نفسه أهلًا لذلك يريد تثبت أهليته عند العلماء ، ويكون هو يطلق مطلقًا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية ، لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على خلاف ما هو عليه ، فإذا هو مطلع على ما وصفه به الناس حصل اليقين في ذلك . وما أفتى مالك حتى أفتاه أربعون محنكًا ، لأن التحنك وهو اللثام تحت الحنك شعار العلماء ، حتى إن مالكا سئل عن الصلاة فقال (كذا) لا بأس بذلك . وهذا إشارة إلى تأكد التحنك ، وهذا شأن الفتيا في الزمان القديم . وأما اليوم فقد سهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح ، وعسُر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم لا ندري ، فلا جرم آل الحال للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال .
الحالة الثالثة ، أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة ، فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلًا وتخريجًا ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك انتهى . وفي كتاب الأقضية من شرح التلقين للإمام أبي عبد الله المازري رحمه الله الذي يفتي في هذا الزمان أقل مراتبه في نقل المذهب قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب وتأويل الأشياخ لها وتوجيههم لما وقع فيها من اختلاف ظواهر واخلاف مذاهب ، وتشبيههم مسائل بمسائل قد سبق إلى النفس تباعدها ، وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يقع في النفس تقاربها وتشابهها ، إلى غير ذلك مما بسطه [40/10] المتأخرون من أهل القيروان في كتبهم ، وأشار إليه من تقدم من أصحاب مالك في كثير من روايتهم ، فهذا لعدم النظار يقتصر على نقله عن المذهب انتهى .