فأجاب من قرأ الكتب التي ذكرت وتفقه فيها على الشيوخ وفهم معانيها وعرف الأصول التي بنيت عليها مسائلها من الكتاب والسنة والإجماع ، وأحكم وجه النظر والقياس ولم يخف عليه ناسخ القرآن من منسوخه ولا سقيم السنة من صحيحها إذا نظر فيها ، وكان معه من اللسان ما يفهم به معنى الخطاب جاز أن يستفتى فيما ينزل من النوازل التي لا نص فيها فيفتي فيها باجتهاده ومن لم يلحق بهذه الدرجة فلا يصح أن يستفتى في المجتهدات التي لا نص فيها ؛ ولا يجوز له أن يفتي برأيه في شيء منها ، إلا أن يخبر برأيه عن عالم فيقلد فيما يخبر به من صحة نقلها عنه . وإن كان فيها اختلاف بينهم أخبر بالذي ترجح عنده من ذلك إن كان ممن له فهم ومعرفة بوجه الترجيح بين الروايات ، وجائز للحاكم أن يقضي بقوله إذا لم يجد سواه ممن كملت له آلات الاجتهاد ، وكان للقاضي حينئذ أن يقلده في فتواه وإن لم يتفقه [44/10] فيما قرأ فلا يجوز أن يستفتى ولا يحل له أن يفتي . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا . وقد أدركنا هذا الزمان ، والله الموفق للصواب .
[إذا اختلفت أقوال مالك في المسألة ولم يعلم المتقدم والمتأخر]
وسئل الفقه أبو محمد عبد الله بن علي بن ستاري عما يوجد كثيرًا في كتب المتأخرين والموثقين في المسألة ذات الأقوال: الذي جرى به العمل كذا ، والذي جرى به القضاء واستمرت عليه الفتوى كذا ، فهل يكون هذا مرجحًا لذلك القول حتى يجوز للقاضي العدول عن المشهور إلى هذا القول أم لا ؟ وهل له أن يختار أحد الأقوال فيقضي به أم لا ؟