فأجاب: الصحابة رضي الله عنهم أفضل الأمة حسبما يدل علىه: خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي. وغيره من الأخبار المأثورة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: (( إنَّ اللهَ اخْتَارَ لي أصحابي عَلَى العَالَمِينَ سِوَى النَّبيينَ والمُرسَلِينَ"وعلى هذا القول أهل العلم [1] ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"أيُّ النَّاسِ أَشدّ إِيمَانًا وأعظَمُ"الخ الخبر المحكي فليس فيه ما يدلُّ على خلاف ما تقدّم بل هو يوافقه. ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قالوا له:"الملائكة إشد إيمانًا ولم لا. وهم يشاهدون الأمر"وكذلك قال في النبيئين صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم فلم ينف عنهم أشدية الإيمان بل وافق عليها ولكنه صلى الله عليه وسلم أشار في كلامه إلى أن الذين أتوا من بعده لم تحصل لهم أدلّة الإيمان كحصولها لمن كان في زمانه لأن أولئك بعين اليقين ومن بَعد النبوءة بعلم اليقين وما يكون بطريق العلم النظري يحتاج الناظر فيه إلى الفحص عن الأمور والبحث عنها وقد لا يمكن له الدليل بغاية الوضوح، بل يلوح له تارة ويغفل عنه أخرى فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: ثبوت هؤلاء على الإيمان وتمسُّكُهم به مع كونهم لم يحصلوا على عين اليقين"
[15/11] كمن في زمنه صلى الله عليه وسلم يستحقون به الوصف بالشدة في إيمانهم وقوله عليه السلام:"للعَامِلِ مِنهُم أِجْرَ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعمَلُونَ مِثلَ عَمَلِكُم"لا ينفي فضل الصحابة وأفضليتهم، لأن المعنى في الخبر يقضي أن المراد للعامل منهم إن عمل، وهم لا يعملون مثل عمل الصحابة أبدًا، فأنَّى يجد أحد من الآخرين سبيلًا إلى حماية سيد البشر ووقايته بنفسه، وبذل المال في الدفع وفي استيلاف الناس له. كل ذلك لا سبيل إلى الوصول إليه مع تَعذّرِ الوُصولِ إلى مُدِّ أحدهم أو نَصيفِه كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ومع هذا لا إشكال والله الموفق للصواب.
(1) في نسخة: اتفق أهل العلم.