الصفحة 6367 من 6465

وأما ما يتعلق بالحديث هل يحمل على ظاهره في جواز تسمية تعالى بالدهر؟ أو يؤول. فالذي يترجح عندي أنه يتعين تأويله، ولا يجوز أن يتسمى به سبحانه. ووجه ذلك أنه عليه الصلاة والسلام قد أثبت الدهر له تعالى في هذا الحديث على سبيل الحصر بوجهين: أحدهما تعريف المبتدأ والخبر. والثاني ضمير الفصل، وكلُّ واحد منهما دليل على الحصر مع الانفراد، فكيف مع الاجتماع؟ فإذا تقرر هذا فنقول: لا يخلوا هذا الحصر إما أن يكون بحسب التسمية، فيكون المعنى لا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى هو الذي يسمى بالدهر لا غيره، وإما أن يكون بحسب المعنى الذي لأجله وقع سبهم للدهر، وهو إيقاع حوادث المصائب والمكروه بهم على ما يعتقدون فيه أنه فاعل الحوادث وموجدها، فإن الله تعالى هو الفاعل الموجد لجميع الكائنات جملة وتفصيلًا بلا واسطة، لا دهر ولا غيره. وحاصله: فإن الله هو الذي له المعنى الذي نسبتموه للدهر لجهلكم. وليس ذلك المعنى للدهر ولا لغيره، فسبكم إذًا للدهر من حيث الفاعلية التي لله، لأنه كأنه في المعنى سبًا [1] لله تعالى ولا خفاء بطلان الحصر بالمعنى الأول، وهو التسمية بالدهر، إذا الاجماع على صحة تسمية غيره تعالى وهو الزمان بالدهر، فبطل حمل الحديث عليه تنزيهًا لكلام من لا يجوز الخلف في خبره عن الحمل عمل يستلزم الخُلف. وأما الحصر بالمعنى الثاني وهو الفاعلية والإيجاد للحوادث المنسوب بزعمهم للدهر، فلا خفاء في صحته. فتعيَّن إذًا حمل الحديث عليه وهو المطلوب. وهذا الوجه السَّبري يكاد أن يكون قطعيًا في الدلالة على التجوز في الحديث والمجاز إما مرسل من باب إطلاق الدليل والمراد مدلوله لأن الدهر دليل على الفاعل وليس بفاعل، أو مجاز حذف. والتقدير فإن الله تعالى مدبر الدهر ومصرفه كيف شاء. وبمثل هذا الطريق السبري الذي قررناه، تقرر دلالة الاقتضاء في نحو

(1) كذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت