الصفحة 6369 من 6465

ومما يرجح أيضًا كون الحديث ليس على ظاهره أن قوله صلى الله عليه وسلم:"فإن الله هو الدهر"علة لنهيه عن سبب الدهر، فلو حمل على أن المراد فإن الله يسمى دهرًا لم يكن مناسبًا للنهي، لأن الساب يقول حينئذ: لفظ الدهر مشترك، وإنما أنا نسب الدهر الواقع على هذا الزمان لا الدهر الواقع على الله تعالى، كما أن ذم العلماء غير العاملين يجوز، وإن كان لفظ العالم مشترك، يطلق عليهم وعلى الله تعالى، بخلاف ما إذا كان المعنى: لا تسبوا الدهر فإن الله هو موجد الحوادث كلها الدهر [1] وغيره أو فإن الله هو مدبر الدهر نفسه. فكيف يمكن أن يملك الدهر تدبير غيره، فإنه يكون حينئذ مناسبًا للنهي عن سب الدهر لوجهين: أحدهما أن سب الدهر من حيث إنه فاعل في اعتقاد الساب كأنه سب منه لمولانا جل وعلا، فإنه الفاعل وحده لا الدهر،

[343/11] فنزل وجود سبب سب الدهر له تعالى منزلة وجود المسبب في حقه تبارك وتعالى تعظيمًا لجانب قضائه وتدبيره الأرفع، أن يحام حول حماه العزيز بتعريض ما لا ينبغي ونحوه الثاني أن سب الدهر سب لغير موجب شرعي ولا عقلي فإن الله وحده هو المخترع بلا واسطة لجميع الحوادث التي تقع فيه وليس للدهر فيه تأثير ولا كسب أصلًا، وسب مخلوق من المخلوقات بلا موجب معصية لا محالة.

فإن قلت: يتعين في المناسبة الوجه الثاني، أما الأول فلا يتم لما تقرر في فن الأصول أن النصَّ على علة حكم لا يكفي في تعدية ذلك الحكم في كل محل وجدت فيه علته إلا بتعبد، فذلك من جهة الشرع، ولا شك أن الساب للدهر وإن كان إنما سبّه لعلة الفاعلية للحوادث التي لم تلايمه بحسب زعمه، فلا يلزم على مقتضى القاعدة السابقة تعدية حكم السب إلى من وجدت فيه علته وهو مولانا جل وعز إلا بتصريح بذلك من جهة الساب.

(1) في نسخة: لا الدهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت