فهرس الكتاب
359/11] يقول:"هو رحمةٌ لهذه الأمة اللهم اذكر معاذًا فيمن ذكرته في هذه الرحمة". فمات معاذ رضي الله عنه بعد ذلك في طاعون عمواس بالأردن في الشام وصدقت الدعوة. وفي هذا تسلية عظيمة لأهل مواضع الوباء، أن سماه الرسول عليه السلام رحمة، والدعوة المذكورة تدل على أن ذلك مما يرغب فيه من يريد الآخرة. ولا شك أن الأجور على الصبر في ذلك والقيام بالوظائف الواجبة لا تُحصى ولا تعدُّ. وجاء حديث عمرو بن العاص على وجه آخر وهو أن عمرًا قال وقد وقع الطاعون بالشام: إنه رجس، فتفرقوا عنه فقال شرحبيل من حسنة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنها رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم فلا تتفرقوا عنه"، وكأن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما جاء في الحديث:"اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون. وقالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: غُدّة كغدة البعير تخرج في المرافق والآباط". وقال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفرق عن الطاعون إذا نزل"ومع هذا فكلام عمرو إنما محمله عند العلماء أن يخرج الإنسان عن ذلك البلد جملة وأما أن يبقى فيه ويترك القيام بما يجب للمسلمين من الحقوق، فهذا ما لا يقوله عمرو ولا غيره. نعوذ بالله من مضلات الفتن، ومن جميع البلايا والمحن روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال في مثل ذلك: هو فتنة على المقيم وعلى الفار، أما الفار فيقول: فررت فنجوت، وأما المقيم فيقول أقمت فهلكت وكذبا جميعًا، فرّ من لم يجيء أجله. وقال المدائني يقال: إنه قلما فر أحد من ذلك وسلم من الموت، يعني أنه يصيبه على قرب واضح."