فهرس الكتاب
فإذا تقرر هذا فاعلم أنه إذا كان لإمام المذهب قولان، ولم يعلم المتأخر منهما، فإن المجتهد المذهبي ينظر أي القولين هو الجاري على مذهب إمامه. والذي تشهد له أصوله، فيحكم برجحانه، فيعمل به ويفتي. وأما إن علم المتأخر من قولي إمام المذهب، فلا ينبغي أن يعتقد أن حكمه في ذلك كحكم المجتهد المطلق في أقوال الشارع، من أنه بلغه [1] القول الأول، ولا يعتبره ألبتة وذلك أن الشارع رافع وواضع، لا تابع. فإذا نسخ القول الأول، رجع اعتباره رفعًا كليًا، وأما إمام المذهب فليس برافع ولا واضع، بل هو في كلا اجتهاديه طالب حكم الشرع، ومتبع لدليله في اعتقاده، ثانيًا إنه غالط في اجتهاده الأول، يجوز على نفسه في اجتهاده الثاني من الغلط، ما اعتقده في اجتهاده الأول، ما لم يرجع إلى نص قاطع، وكذلك
[368/11] مقلدوه يجوزون عليه في كل اعتقاده ما يجوزه هو على نفسه من الغلط والنسيان، فلذلك كان لمقلده أن يختار القول الأول إذا رآه على قواعده، وكان هو من أهل الاجتهاد المذهبي، فإن لم يكن من أهله وكان مقلدًا صرفًا تعين عليه العمل بآخر اجتهاديه، لأنه أغلب على الظن إصابة في بادي الرأي. فهذا هو سر الفرق بين الصنفين وفصل القضية فيها.
وحاصله أن قول الشارع إنشاء، وأقوال المجتهدين أخبار. وبهذا يتبين غلط من اعتقد من الأصوليين أن القول الثاني من إمام المذهب، حكمه حكم الناسخ من قول الشارع، وبما ذكرناه يتبين صحة ما ذكر ابن أبي جمرة في تقليده، أما إذا اجتهد المجتهد واتبع باجتهاده، رجع عنه أو شك فيه، فليس رجوعه ولا شكه بالذي يبطل اجتهاده الأول ما لم يكن نص قاطع يرجع إليه.
(1) في نسخة: يلغي.