372/11] الفقه في مسألة التكليف بما لا يطاق ومنه المسألة المشهورة، وهي اختلاف الفقهاء والأصوليين في تكفير المعتزلة بلازم قولهم ينفي الصفة ومما يدل على وقوع ما ذكرنا صحته من الأخذ بالقول المرجوع عنه وجوده لغير واحد من الشيوخ المتقدمين ممن عرف باتباع مذهب مالك: كابن رشد والباجي وكثير من أصحاب مالك، وذلك لمن نظر الدواوين واضح. وهذا ابن القاسم فعل ذلك في المدونة في مواضع، وتلقاه منه بالقبول الشيخان الفقيهان الشهيران الإمامان: أسدٌ وسحنونٌ وغيرهما ممن أخذ أصل المدونة عن ابن القاسم.
فمن ذلك أخذه في كتاب الطهارة بقول مالك الأول، بجواز المسح على الجرموقين دون قوله الثاني: لا يمسح عليهما. وفي كتاب الصلاة الأول، أخذ بقوله الأول في ناسي الفاتحة من ركعة من غير الثنائية أنه يعيد، لا بقوله الأخير تجزئه سجدتا السهو. وفي كتاب الصلاة الثاني خير ابن القاسم في الأخذ بقول مالك الأول والثاني في التكبير لسجود التلاوة في غير صلاة دون قوله الأخير: يكبر. وفي كتاب الصيام أخذ بقوله الأول: بعدم قضاء نادر صوم سنة معينة أيام الذبح منه، لا بالثاني: إنه يقضيها. وفي كتاب الأيمان: أخذ في الحالف أن لا يفارق غريمه إلا بحقه بقول مالك الأول: أنه يبرأ بأخذه منه عرضًا يساوي ما عليه، لا بقوله الثاني: أنه استثقله.
وفي كتاب الحج: أخذ في ناسي حصاةٍ في أول يوم من أيام الرمي، لا يدري من أي جمرة هي؟ بقول مالك الأول: يرمي الأولى بحصاة، ثم يرمي الأخريين، دون قوله الثاني: يرمي في كل جمرة بسبع سبع. وأخذ فيمن ضل هديه الواجب بعدما أوقفه بعرفة فوجده بعد أيام، ونحر بمكة أنه يجزئه، لا بقوله الآخر إنه لا يجزئه. وفي كتاب الصيد، فمن أشلى كلبه على صيد وهو مطلق فانشلا وصاد من غير أنن يرسله من يده، بقول مالك الأول: إن ذلك الصيد يوكل، لا بقوله الثاني: إنه لا يوكل؟