ورابعها ما نقله صاحب الاستيعاب حيث ذكر عن ابن وهب قوله: إذا لم أجد أثرًا لقلدت مالكًا، لأن قوله أثرٌ من الآثار. وقال: بهذا كان ابن حنبل يقول، لأنه قد سمع ذلك من ابن وهب، ثم قال: وقال أبي القاسم: اخترت مالكًا لنفسي وجعلته بيني وبين النار، ولا معنى لاختياره إياه، وجعله بينه وبين النار إلا تقليده واعتقاد صحة مذهبه، واستحسان رأيه. فإن الذي يجعل المجتهد بينه وبين النار، إنما هو الأدلة وبذل الوسع في طلبها، واستنباط أحكام الله تعالى منها، لا الشخص المعين.
فإن قيل: أول اختياره إياه إنما هو في التعلم والاستفادة منه ابتداء، لا في تقليده حين استبحر في العلوم، وأمكنه الاجتهاد.
قيل: المجتهد المطلق لا يمكنه جعل ما استفاد منه ابتداءً بينه وبين النار كما قررنا، وإنما يتبع الدليل بالنسبة إلى استفراغ الوسع فيه ينسب إلى المبالغة أو التقصير، وإلى حصول الأجر أو الإثم وسقوطه، لا إلى من أخذه عنه بدأة أو استفاد منه أولًا فإنها حالة قد انتسخت بأكمل منها. هذا واستفادة المذكور بداة لم تنحصر في مالك رحمه الله، وإن كانت منه أكثر ملازمته
[377/11] وصحبته له أطول، فقد أخذ عن الليث، وعبد العزيز ابن الماجشون، ومسلم بن خالد، وبكر بن مضر وابن الدرواوردي، وابن أبي حازم، وعثمان بن الحكم وغير واحد.