وأما دلالة أقوال الأيمة على ذلك فقد قال شرف الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن على الفهري وهو أحد محققي الأيمة المتأخرين: لما حكى صفة المجتهد قال: وجميع ما ذكرناه شرائط المفتي المطلق، وهو المجتهد في الدين، ودونه المجتهد في المذهب، وهو الذي له مكنة بتخريج الوجوه على نصوص إمامه، كابن شريح، وأبي حامد. بالنسبة إلى مذهب الشافعي، ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، بالنظر إلى مذهب أبي حنيفة، وابن القاسم وأشهب بالنسبة إلى مذهب مالك. وهو نص منه رحمه الله تعالى على ما قلناه. وأيضًا فقد قال ابن وهب لأبي ثابت: إن أردت هذا الشأن يعني فقه مالك، فعليك بابن القاسم، فإنه انفرد به وشغلنا عنه بغيره.
وبهذا القول رجح القاضي أبو محمد رحمه الله، مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم. وانفراد ابن القاسم بمالك وطول صحبته له، وأنه لم يخلط به غيره، وهذا أيضًا يدل على تقليده له، وكونه خزانة لعلمه وأقواله ومآخذه، فإن المجتهد لا ينفرد بعلم شخص، ولا يوصف بأنه لم يخالط به غيره، فإنه إنما ينظر الدليل المطلق، وأيضًا فقد حكى الحارث بن أسد القفصي وكان ثقة خيرًا مستجابًا يختم القرآن في كل ليلة من رمضان، وكان ممن أخذ عن مالك، رحمه الله، قال: لما أردنا وداع مالك، دخلت عليه أنا وابن القاسم وابن وهب، فقال له ابن وهب: أوصني فقال له: اتّقِ الله وانظر عمن تنقل، وقال لابن القاسم: اتق الله وانشر ما سمعت، وقال لي: اتق الله وعليك بتلاوة القرآن. قال الحارث رحمه الله: لم يرني أهلًا للعلم. قال محمد بن الحارث: فرأيت في بعض الروايات أنه كان يستفتى فلا يفتي ويقول: لم يرني مالك أهلًا للعلم. فهذا مالك رحمه الله ينبوع إفادته، يأمره بنشر ما سمع، والناشر لما سمع بمعزل عن الاجتهاد المطلق، ومن المحال أو الا بعد من حاله، أن لا يعلمه شيخه رحمه الله. وقد عمل رحمه الله ما أوصاه