فانظر ما وصفهم به من الغلو في التقليد لمالك، وما انتهى إليه بسببه من الذم، وإن كان على كلامه هذا حديث في تمييز الصحيح منه والسقيم، له بسط ومحل آخر. هذا مع أنه لم يعلم لهم تقليد ظاهر، والتزام مشتهر لمذهب، إلا ما كانوا عليه من مذهب الأوزاعي منذ فتحت إلى أن جاء المرتحلون منها إلى مالك، والآخذون عنه ممن عد من الطبقة الأولى من
[379/11] أصحابه، مثل زياد بن عبد الرحمن، والغازي بن قيس، وعرقوس بن العباس وأضرابهم فنشروا علمه، واشاعوا إمامته وفضله، فعرف حقه، ودرس مذهبه، فأخذ هشام بن عبد الرحمن بن معاوية أمير الأندلس حينئذ جميع [1] الناس بإلزامهم مذهب مالك، وصير الفقهاء والفتيا عليه، وذلك في عشرة السبعين ومائة من الهجرة، حياة مالك وقريب من موته، رحمه الله، وشيخ المفتين حينئذ صعصعة بن سلام إمام الأوزاعية، فالتزم الناس بها هذا المذهب من يومئذٍ، وحملوا بالسيف عن غيره حمله وما تديَّن بغيره أحد من حينئذ، إلا من لا يوبه به، فمضى أمر الأندلس على ذلك وبحسب هذا المعتقد كتب الحكم المنتصر بالله إلى الفقيه أبي إبراهيم، وكان الحكم رحمه الله ممن يبحث على أحوال الناس ونقر عن أخبارهم تنقيرًا، لم يبلغ فيه شأوه كثير من أهل العلم، ولم أر قط تأليفًا قوبل من أصول خزانته، أو بما قوبل بأصل منها ولو بوسائط، إلا اطلعت منه على العجب في الصحة.
(1) في أوائل السبعينات من القرن الثاني الهجري ألزم أمير الأندلس هشام بن عبد الرحمن بن معاوية جميع الناس العمل بمذهب مالك بالأندلس.