قلت: يحتمل أنه أجاب أولًا على قواعد مالك، فلما وجد نصه رجع إليه. ولا يلزمه من هذا أنه مقلد. ألا ترى أنه لا يبالي في التصريح بنقيضه، فيقول الجاري على أهل المذهب كذا والصحيح عندي كذا بنص حديث أو غيره من الأدلة الظاهرة، إلا أن التقليد معلوم من غالب حال أهل العصر، بدليل منفصل، وحال ابن القاسم معلومة من دليل منفصل. ألا ترى إلى كثرة مخالفته لمالك وإغلاظه القول عليه، فيقول: هذا القول ليس بشيء وما أشبهه بالألفاظ التي يبعد صدورها من مقلد، انتهى.
ابن عرفة ظاهره أن ابن القاسم عنده مجتهد مطلقًا، وهو بعيد لأن بضاعته في الحديث مجزاة، والأظهر ما قاله ابن التلمساني في شرح المعالم: أنه مجتهد في مذهب مالك فقط، كابن شريح في مذهب الشافعي. وظاهر قول ابن عبد السلام: غالب حال أهل العصر لم يخل من مجتهد، وهو كما قال والله أعلم. وقال ابن عبد السلام في باب الأقضية: لا ينبغي أو يولَّى في زماننا من المقلدين من ليس عنده قدرة على الترجيح بين الأقوال فإن ذلك غير معدوم وإن كان قليلًا. وأما رتبة الاجتهاد في المغرب فمعدومة. وقد قال الإمام المازري عن زمانه، فكيف بزماننا وبينهما نحو مائتي عام. وما أظنه انعدم بجهة المشرق، فقد كان منهم من ينسب إلى ذلك ممن هو في حياة أشياخنا. ومواد الاجتهاد في زماننا أيسر منها في زمن المتقدمين لو أراد الله بنا سبحانه الهداية، ولكن لا بد من قبض العلم بقبض العلماء، على ما أخبر به الصادق صلوات الله عليه، انتهى.