يحكم بأحد القولين المستويين من غير ترجيح و لا معرفة بأدلة القولين إجماعا ، و قال في كلامه الآخر و على هذا التقدير يتصور الحكم بالراجح و غير الراجح و ليس اتباعا للهوى بل ذلك بعد بذل المجهود و العجز عن الترجيح و حصول التساوي .
و تقدير ما يتوهم من التدافع بين الكلامين أن الأول يقتضي أن للمقلد أن يحكم بأحد القولين من غير أن ينظر في ترجيح أحدهما على الآخر إجماعا ، و كلامه الآخر يقتضي أنه لا يحكم بغير الراجح و إلا بعد النظر هل في القولين راجح أولا حتى يعجز عن الترجيح و يحصل التساوي .
يقال: لا تدافع بين الكلامين ، لأن ما كلف فيه بالنظر إنما هو حيث يكون في القولين راجح و مرجوح و يكون المقلد أهلا للترجيح و حيث أجاز الحكم بأحد القولين من غير نظر فرض القولين مستويين لا راجح فيهما ، و المقلد ليس أهلا للنظر . ألا ترى قوله: و لا معرفة بأدلة القولين ، فمن لا معرفة له بأدلة فيم ينظر الترجيح ؟ فالنظر إنما هو في ترجيح أحد القولين على الآخر ، و الفرض أن هذا المقلد لا معرفة له بأدلة القولين ، فلم يمكن النظر من غير العارف بما يقع فيه الترجيح التي هي الأدلة ، فلا تدافع ، إذ لم يتحد المحكوم عليه ، فإن له أن يحكم فيه في الصورتين ، و الله أعلم . انتهى .
و أجاب الفقيه أبو العباس سيدي أحمد بن زكري بما نصه: قد تظافرت نصوص الأيمة من الأصوليين و الفروعيين على امتناع الفتيا و القضاء بالقول المرجوح عند المفتي أو القاضي ، فيتعين الراجح . فإن كان القاضي أو المفتي من أهل الاجتهاد بالإطلاق أو التقييد فظاهر ، فإن العدول عن الراجح إلى المرجوح إذ ذاك في اتباع الهوى المنهي عنه بالإجماع ؛ و إن كان من ذكر من أهل التقليد كما هو الغالب من حال أهل العصر وجب عليه اتباع ما رجحه أهل المذهب المقلد ، فلا يجوز العدول عنه إلى المرجوح ، و إن تخيل رجحانه فيجب تركه و العمل بما رجحوه ؛ فإن لم يوجد لهم ترجيح بعد