و إن قلتم بعدم تقليد غير المشهور البتة ، فما المانع من ذلك مع القول بأنه لا يجب تقليد الأعلم على ما حكاه بعض أيمة الأصوليين ؟ و مع القول أيضا بتصويب المجتهدين و هو أصح القولين ، و كل الرخص صواب ، و لا درك على المكلف إذا انتقل من صواب إلى صواب ؟ و قد أفرد لهذا المعنى الإمام أبو إسحاق الشاطبي - رضي الله عنه و عنكم - كتابا في موافقاته كما في علمكم يقتضي من أوله إلى آخره أن المقلد أو المفتي لا يحل له أن يفتي إلا بالمشهور ، و قال الباجي فيه و هذا لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع في منع الفتيا بغير المشهور . قال و المقلد مثله ، و ربما حكى الإجماع في مواضعه من كتابه ، و نحوه عن ابن حزم . قال ابن عرفة فيه هو مردود ، بفتيا الشيخ الإمام المحقق الورع المصري عز الدين بن عبد السلام ، و كذا ما يذكر
عن ابن أبي جمرة و أنه لا يحل أن يفتي في دين الله إلا بالمشهور . و فتيتا المازري حين أفتى بمنع اقتضاء الطعام من ثمن الطعام . و قد أوجب إجماعات هؤلاء القوم و فتاويهم حيرة عظيمة ، فاكشفوا بفضلكم ما غشي أبصارنا كشف الله عن قلوبكم حجب الغفلة ، و أمدّ أبصاركم بنور من لَدُنْهُ طول أيام المهلة .