و قد زاد هذا الأمر في هذه الأزمنة المزمنة على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدودا في حجج الإباحة ، و قع فيما تقدم و تأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم لا بمعنى مراعاة الخلاف بأن له نظرا آخر ، حتى كان رأى قوم ممن تقدم زماننا هذا فضلا عن زماننا اتخذوا الرجال ذريعة لأهوائهم و أهواء من داناهم أو من
رغب إليهم في ذلك . فإذا عرفوا غرض هؤلاء في حكم حاكم أو فتيتا تعبّد أو غير ذلك بحثوا عن أقوال العلماء في المسألة المسؤول عنها حتى يجدوا القول الموافق للسائل و أفتوا به ، زاعمين أن الحجة لهم في ذلك قول من قال اختلاف العلماء رحمة ، ثم ما زال هذا الشر يستطير في الاتباع حتى لقد حكى الخطابي عن بعضهم أنه كان يقول: كل مسألة ثبت فيها لأحد من العلماء القول بالجواز ، شذّ عن الجماعة أو لا ، فإن المسألة جائزة . قال: و هذا الاضطراب كله منشؤه تحسين الظن بأعمال المتأخرين و إن جاءت الشريعة بخلافها ، و الوقوف مع الرجال دون التحري للحق . و مثار ذلك التوغل في التعظيم . و لقد حكى مذيل تاريخ الطبرني عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله و يتبخرون بعذرته حتى ادعوا فيه الإلهية ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . انتهى .