قلت: قال الشيخ أبو إسحاق: هذا خطأ كله و جهل بما وضعت له الشريعة ، فإن عامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي و الإثبات ، و الهوى لا يعدوهما . فإذا عرض العامي نازلته على المفتي فهو قائل له أخرجني من هواي و احملني على اتباع الحق ، فلا يمكن و الحال هذه أن يقول مله في مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت ، فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع ، و لا ينجيه من هذا أن يقول ما فعلت إلا بقول عالم لأنه حيلة من جملة الحيل التي نصبتها النفس وقاية عن القيل و القال ، و شبكة لنيل الأغراض الدنيوية ، و تسليط للمفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه ، و رمي في عماية و جهل بالشريعة و غش في النصيحة . انتهى . و قال أبو عمرو ابن الصلاح: و قد قال مالك رحمه الله في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم رضي الله عنهم أجمعين: منهم مخطئ و مصيب ، فعليك بالاجتهاد ، و قال ليس كل ما قال ناس فيه توسعة .
قال ابن الصلاح: لا توسعة فيه بمعنى أنه يتخير بين أقوالهم من غير توقف على ظهور الراجح ، و فيه توسعة بمعنى أن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد مجالا فيما بين أقوالهم و أن ذلك مما ليس يقطع به بقول متعين لا مجال للاجتهاد في خلافه .
و في تبصرة الحكام: يلزم القاضي المقلد إذا وجد المشهور أن لا يخرج عنه ، فإن لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي و الحكم بما شاء منهما من غير نظر في الترجيح .
فإن قلت: ظاهر قوله يلزم القاضي المقلد إذا وجد المشهور أن لا يخرج عنه ، سواء كان أهلا للنظر في طرق الترجيح و له قوة على إدراك مداركها أم لا ، و أنت قد جعلت مورد الحكم في المقلد الجاهل لطرق الترجيح الغير المدرك لمدارك الراجح من المرجوح .