عن الأحكام و تصرفات القاضي و الإمام لشهاب الدين القرافي رحمه الله ما نصه: هل يجب على الحاكم ألا يحكم إلا بالراجح عنده ؟ أو له أن يحكم بأحد القولين و إن لم يكن راجحا عنده ؟ جوابه أن الحاكم إذا كان مجتهدا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده ، و إن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه و أن يحكم به و إن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده في الفتيا . و أما اتباع الهوى في الحكم و الفتيا فحرام إجماعا . نعم اختلف العلماء إذا تعارضت الأدلة عند المجتهد و تساوت و عجز عن الترجيح هل يتساقطان ؟ أو يختار واحدا منهما يفتي به ؟ قولان للعلماء . فعلى القول أنه يختار أحدهما يفتي به له أن يختار أحدهما يحكم به مع أنه ليس أرجح عنده بطريق الأولى ، لأن الفتيا شرع عام على المكلفين إلى قيام الساعة و الحكم يختص بالوقائع الجزئية . فإذا جاز الاختيار في الشرائع العامة فأولى أن يجوز في الأمور الجزئية الخاصة. و هذا مقتضى الفقه و القواعد .
و على هذا التقدير يتصور الحكم بالراجح و غير الرااجح و ليس اتباعا للهوى ، بل ذلك بعد بذل المجهود و العجز عن الترجيح و حصول التساوي . و أما الفتيا و الحكم بما هو مرجوح فخلاف الإجماع انتهى . فانظر و تأمل قول القرافي رحمه الله كيف منع المجتهد من الحكم و الفتيا إلا بالراجح عنده ، و أجاز للمقلد أن يفتي أو يحكم بالمشهور و إن لم يكن راجحا عنده و لا صحيحا في نظره مع كونه أهلا للنظر و عارفا بطرق الترجيح ، و أدلة التشهير و التصحيح . فإذا نظر و رجح عنده غير المشهور جاز له أن يفتي بغير الراجح عنده إن كان مشهورا عند إمامه و إن كان شاذا مرجوحا في نظره لكونه يقلد في رجحان المشهور إمامه الذي قلده في الفتوى .