قلت: الذي حكى الإجماع على تحريمه و منعه إنما هو ألا يفتي بالراجح في نظره و لا في نظر مقلده و إمامه معا ، و الذي جوز فيه الحكم و الفتيا بالمرجوح إنما هو إذا كان راجحا في نظر متبوعه مرجوحا في نظره هو ، فلم
يخرج في محل الجواز على الراجح جملة ، و في محل الإجماع فقد خرج عنه جملة و الله أعلم .
فإن قلت: قد نص ابن رشد صاحب الاستظهار على أن المفتي المقلد لا يجوز له أن يحمل المستفتي على قول بعينه ؛ لأنه ربما يحمله على ما ليس بأفضل ، و إنما المفتي المقلد بمثابة من عنده وصية في بيته لأقوام شتى ، فعليه أن يمكن كل من له عنده وصية من وصيته ، فإن شاء أخذ أو ترك ، فتقول هذا خلاف لما قدمته و مباين لما قررته و أتممته .
قلت: لا مخالفة فيه لما قدمناه . و محمل هذا على المقلد الصرف الذي لا حظ له في مدارك الترجيح ؛ لأنه قد تكلف ما ليس من وظيفته ، بل هو داخل تحت النهي بقوله تعالى: { و لا تقف ما ليس لك به علم } ، و هذا بين ظاهر من قولهما . و أما المقلد الذي الكلام فيه الآن فإنه يجوز له أن يقتصنر في جوابه على حكاية الخلاف من غير إشارة إلى طرق الترجيح ، و تمييز المشهور و الصحيح ، و هو المذهب الصحيح و اختيار ابن الصلاح ، و حكى الباجي و الشاطبي و القرافي الإجماع عليه .
و ظاهر فتوى الشيخ أبي بكر محمد بن داود بن علي الظاهري الأصبهاني الجواز ؛ لأنه جاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها و لا هو مطلقها ؟ فقال أبو بكر اختلف في ذلك أهل العلم ، فقال قائلون يؤمر بالإنفاق ، و إن لا يحمل لعلى الطلاق ؛ فلم تفهم المرأة قوله فأعادت و قالت رجل له زوجة لا هو ممسكها و لا هو مطلقها ، فقال لها: يا هذه قد أجبتك عن مسألتك ، و أرشدتك إلى طلبتك ، و لست بسلطان فأمضي ، و لا قاض فاقضي ، و لا زوج مفارضي ، فانصرفي ! فانصرفت المرأة و لم تفهم جوابه .