و غيرهم من الأولين و إن كانوا أعلم و أعلى درجة ممن بعدهم ، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم و ضبط أصوله و فروعه ، و ليس لأحد منهم مذهب مهذب محرَّر مقرَّر ، و إنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأيمة الناقلين لمذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - و التابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها ، الناهضين بإيضاح أصولها و فروعها ، كمالك و المقلد الصرف ، و هو القول المختار ، عند الأيمة النظار ، فلا يخلو إما أن تتفق كلمة أيمة المذهب الذي قلده العامي أو المقلد الصرف أولا ، فإن اتفقت كلمتهم و عمل المستفتي عليها فلا إشكال ، و إن اختلفت مذاهب أيمة المذاهب و تباينت منهم الأقوال و لم يطلع هذا المقلد على أرجحية قول من تلك الأقوال منصوص عليها للمتقدمين ، فاختلف في المسألة على عدة أقوال:
أحدها ، أنه يأخذ بأغلظها ، فيأخذ بالحظر دون الإباحة لأنه أحوط ، لأن الحق ثقيل .
ثانيها ، يأخذ خفها ، لأنه صلى الله عليه و سلم بعث بالحنيفية السمحة .
ثالثها ، يتخير فيأخذ بقول أيّهم شاء ، و هو الصحيح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، و اختيار ابن الصباغ في الشامل ، لكن فيما إذا تساوى القائلان في نفسه .
قال بعض المتأخرين: قد نزلت بالسلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق ، حلف ليقتلن ابن مرموز فرغب في العفو عنه فترك قتله ، فأرسل إلى الفقيهين المعظمين أبي الفضل راشد الوليدي و أبي يوسف الجزولي ، فاقتضى نظر الفقيه راشد أن يقرأ على السلطان ما في الأحكام لابن العربي في سورة التحريم ، فيختار ما شاء من تلك الأقوال .
رابعها: أنه يأخذ بقول أكثرهم على ما وقع في المدونة في الحكاية عن الفقهاء السبعة .
خامسها ، أنه يجتهد في الأوثق فيأخذ بقول الأعلم و الأورع ، و يبحث عن الأرجح من القائلين فيعمل به ، فإنه حكم التعارض و قد وقع . و هذا القول