الصفحة 206 من 543

لها:"لَا عَلَيْكَ ألَا تَسْتَعْجِلي، فتَستَأْمِري أبويك" (1) ، خاف أنها شابَّة صغيرة أنها تَتَعجَّل وتَقول: أُريد الدُّنيا، فطلَب منها ألَّا تَتَعجَّل حتى تَستَأمِر أبوَيْها، يَعنِي: تَستَأْذِنهما، ومعلومٌ أنَّ أبوَيْها لا يُريدان لها أن تَختار الدنيا وزِينتها على اللَّه تعالى ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- والدار الآخِرة، ولكنَّها -رضي اللَّه عنها- كان لها على صِغَر سِنِّها نَظْرة بعيدة، فقالت: يا رسولَ اللَّه، أفِي هذا أَستَأْمِر أبويَّ! يَعنِي: هذا أُشاوِر فيه أَبويَّ؟ ! لا، إنما أُريد اللَّه تعالى ورسوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ والدارَ الآخِرة، ولكن لا تُخبِر نِساءَك بما قلت، قال النبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"إِنَّما بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَمُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُني فسَأخْبِرُهَا" (2) ، لكن كل نِسائه ما سألن، كل امرأة تَقول: إنها تُريد اللَّه تعالى ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- والدار الآخِرة، فصِرْن على الحال الكامِلة -رضي اللَّه عنهن-، على ما كان عليه الرَّسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِن شَغَف العَيْش، وقِلَّة ذات اليَدِ، ومع هذا وفَّقَهن اللَّه تعالى ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شَكٍّ من عِناية اللَّه تعالى برسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، أن يَختار له مثل هؤلاءِ النِّساءِ فكان جَزاؤُهن أنَّ اللَّه تعالى قال له: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} [الأحزاب: 52] .

فهؤلاءِ النِّسوةُ اللاتي اختَرْن اللَّه تعالى ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- والدارَ الآخِرة، بعد أن خُيِّرن كان لهُنَّ -مع ما في ثواب الآخِرة- هذا الجزاءُ الدُّنيويُّ، أنَّ الرسول مُنِع مِن أن يَتزَوَّج بعد ذلك بواحدةٍ من النِّساء أو يُبدِّل واحِدةً بامرأة جديدة، وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ

(1) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} ، رقم (4785) ، ومسلم: كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، رقم (1475) ، من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-.

(2) أخرجه بنحوه مسلم: كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، رقم (1475/ 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت