فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 433

وَالسُنَّةُ - في الأصل - ليست مساوية للحديث، فإنها - تبعًا لمعناها اللغوي - كانت تطلق على الطريقة الدينية التي سلكها النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سيرته المُطَهَّرَة، لأَنَّ معنى السُنَّةِ لغة الطريقة. فإذا كان الحديث عَامًّا يشمل قول النبي وفعله، فَالسُنَّةُ خَاصَّةٌ بأعمال النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -. وفي ضوء هذا التباين بين المفهومين ندرك قول المُحَدِّثِينَ أَحْيَانًا: «هَذَا الحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالسُنَّةِ وَالإِجْمَاعِ» ، أو قولهم: «إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ، وَإِمَامٌ فِي السُنَّةِ، وَإِمَامٌ فِيهِمَا مَعًا» [1] وأغرب من هذا كله أَنَّ أحد المفهومين يدعم بالآخر، كأنهما متغايران من كل وجه، حتى صَحَّ أنْ يذكر ابن النديم كِتَابًا بعنوان"كتاب السُنن بشواهد الحديث" [2] .

وحين عَبَّرَ الإسلام عن الطريقة بِالسُنَّةِ لم يفاجئ العرب، فلقد عرفوها بهذا المعنى كما عرفوا نقيضها وهي البدعة [3] . وكان في وسعهم أَنْ يفهموا منها هذا المعنى حتى عند إضافتها إلى اسم الجلالة في مثل قوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} [4] . أما الذين سمعوا لفظها من النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مثل قوله: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» [5] ، فما كان لهم حِينَئِذٍ أَنْ يَتَرَدَّدُوا في انصرافها إلى أسلوبه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وطريقته في حياته الخاصة والعامة.

(1) من ذلك ما يراه عبد الرحمن بن مهدي (- 198) «مِنْ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ إِمَامٌ فِي الحَدِيثِ، وَالأَوْزَاعِيَّ إِمَامٌ فِي السُنَّةِ وَلَيْسَ بإِمَامٍ فِي الحَدِيثِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِمَامٌ فِيهِمَا جَمِيعًا» . انظر"الزرقاني على الموطأ": 1/ 4 وقابله بـ « Trad Islam.12 , 14» .

(2) "الفهرست"لابن النديم: ص 220.

(3) انظر"الأغاني": 7/ 119 وفيما يتعلق بالبدعة: 7/ 114.

(4) [سورة الأحزاب، الآيتان: 38 و 62] .

(5) سنن ابن ماجه 1/ 16 رقم الحديث 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت