وَالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ كانت - كما سنرى - أحرص البلاد على السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ حتى سميت «دَارَ السُنَّةِ» [1] . وفي جنباتها المشرفة بدأ مفهوم «السُنَّةِ» يأخذ شَكْلًا سِيَاسِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا إلى جانب الشكل الديني الأساسي: فالرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَرِّحُ بأنَّ «مَنْ أَحْدَثَ فِي المَدِينَةِ حَدَثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [2] . وَكَأَنَّ في هذا الحديث إيماء إلى براءة الله ورسوله من كل مُنْشَقٍّ على الجماعة، خالع يد الطاعة، مُؤْثِرٌ البِدْعَةَ عَلَى السُنَّةِ. فلينصح الأب ابنه: «يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالحَدَثَ» ، وليستجب الابن لأبيه مُكْبِرًا تَقيُّدَهُ بِالسُنَّةِ المُطَهَّرَةِ: «وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْغَضَ إِلَيْهِ الحَدَثُ فِي الإِسْلاَمِ» [3] ، وليقل المتهم في دينه مُدَافِعًا عن نفسه: «مَا أَحْدَثْتُ فِي الإِسْلاَمِ حَدَثًا وَلاَ أَخْرَجْتُ مِنْ طَاعَةٍ يَدًا» [4] .
ما أسرع ما انتقل المسلمون إذن من المعنى الإقليمي الضيق إلى المعنى الشامل الواسع! إنهم لا يخشون إحداث الحَدَثِ في المدينة وحدها «دَارَ السُنَّةِ» ، بل يخشون الحدث في الإسلام كله، في كل بلد بلغته الدعوة المباركة، فالمبدأ عام شامل، وقد وضعه الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنفسه مُذْ قال: «شَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا» [5] وقال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [6] .
(1) راجع فصل - الرحلة في طلب الحديث - من هذا الكتاب.
(2) "صحيح البخاري". الاعتصام. رقم 6.
(3) "سنن الترمذي": 1/ 51.
(4) "الأغاني": 21/ 144.
(5) "سنن ابن ماجه": 1/ 17 رقم 45.
(6) "سنن أبي داود": 4/ 280 رقم 4606.