وسحقت زهرة القوات المغولية، ومر العسكر في إثر التتار إلى قرب بيسان، فرجع التتار، والتقوا بالمسلمين لقاءً ثانيًا أعظم من الأول، فهزمهم الله وقتل أكابرهم وعدة منهم، وكان قد تزلزل المسلمون زلزالًا شديدًا، فصرخ السلطان صرخة عظيمة، سمعه معظم العسكر وهو يقول: (( وأسلاماه ) )ثلاث مرات: يا الله انصر عبدك قطز على التتار )) فلما انكسر التتار الكسرة الثانية نزل السلطان على فرسه ومرغ وجهه على الارض وقبلها وصلى ركعتين لله تعالى ثم ركب، فأقبل العسكر وقد امتلأت ايديهم بالغنائم [1] ، واستمر ركن الدين بيبرس في مطاردة فلول المغول حتى افامية فوجدهم قد تجمعوا بها ووحدوا صفوفهم للمرة الثالثة استعدادًا لمواجهتهم، فهاجمهم بكل شجاعة وكسرهم كسرة شنيعة وغنم منهم اموالًا طائلة وخيولًا كثيرة [2] .
6 ـ شجاعة القائد المغولي: ورغم الهزيمة القاسية التي مُني بها المغول في هذه المعركة فإن أحد المؤرخين المسلمين وهو رشيد الدين فضل الله الهمذاني، لم ينكر ما كان للقائد المغولي كيتوبوقا من صفات بطولية في هذه المعركة، فعندما اقترح عليه أحد اعوانه الإنسحاب أجاب: علينا أن نموت هنا، هذه هي النهاية ويعيش الخان ويسعد [3] ، وفي رواية: لا مفر من الموت هنا، فالموت مع العزة والشرف خير من الهروب مع الذل والهوان، وسيصل رجل واحد، صغيرًا أو كبيرًا من أفراد هذا الجيش إلى حضرة الملك ويعرض عليه كلامي قائلًا: إن كيتوبوقا لم يشأ أن يتراجع وقد كلله الخجل فضحى بحياته الغالية في سبيل واجبه، وينبغي ألا يشق على الخاطر المبارك نبأ فناء جيش المغول، وليتصور الملك أن نساء جنوده لم يحملن عامًا واحدًا، وأن جياد قطعانه لم تلد المهور، فليدم اقبال الملك، مادامت نفسه الشريفة آمنة سالمة، فإنها تكون عوضًا لكل مفقود، إذ أن وجودنا وعدمنا نحن العبيد والاتباع أمر سهل يسير [4] ، كما يذكر رشيد الدين نفسه رأيًا مخالفًا في كيفية قتل القائد المغولي كيتوبوقا، حيث يشير إلى أنه وقع في بداية الأمر في الاسر، ثم أحضره قطز إلى مجلسه مكبلًا ودار بينهما حوارًا بداه قطز مخاطبًا كيتوبوقا بقوله: أيها الرجل الناكث العهد ها انت بعد أن سفكت كثيرًا من الدماء البريئة وقضيت على الابطال والعظماء بالوعود الكاذبة، وهدمت البيوتات العريقة بالاقوال الزائفة المزورة قد وقعت أخيرًا في الشرك.
وعندما سمع كيتوبوقا كلامه انتفض وهو مكبل اليدين كأنه الفيل
(1) دراسات تاريخية صـ 88.
(2) جهاد المماليك صـ 124.
(3) سيف الدين قطز قاهر المغول صـ 138.
(4) جامع التواريخ (2 ـ 314) ، جهاد المماليك صـ 124.