1 ـ القيادة الحكيمة: أكرم الله الأمة في تلك الفترة التاريخية الحرجة، بالسلطان سيف الدين قطز وكان رجلًا صالحًا، كثير الصلاة في الجماعة، ولا يتعاطى الشرب ولا شيئًا مما يتعاطاه الملوك [1] ، وكان شجاعًا وبطلًا، كثير الخير، ممالئًا للإسلام وأهله وهم يحبونه [2] ، وكان مقدامًا حازمًا حسن التدبير، وكانت الأمة في أشد الحاجة لقيادة حكيمة، تتصف بصفات فذة، فقد جاءت مواهبه موافقة لحاجات الأمة [3] ، شهد معارك كثيرة مع الأيوبيين مما أتيح له خبرة في الحروب وكان مهيأ نفسيًا منذ نعومة أظفاره في أن يكون قائدًا فذًا، يشار إليه بالبنان، ويكون صاحب شأن في مجريات الأحداث في مصر والشام، وكان يعتز بعقيدته الإسلامية ويفاخر بها وكان يحمل الضغينة والحقد على المغول الذين أذاقوا خوارزمشاه ومن معه شرًا ووطأوا بلادهم وساموهم سوء العذاب، وكان له من الصفات الجسمية ما يؤهله لأن يكون قائدًا، فهو قوي البنية، مستدير الوجه، عريض الكفين، ممتلئ الجسم، أشقر، كث اللحية، وكان من البارزين في الفروسية والحاذقين في إستخدام الرمح، فإذا أتاه الخصم من الخلف رمى الرمح أمامه بقدر ثلث حتى إذا كان الرمح بين كتفي قطز أبطله وغرز رمحه في صدره لا محال [4] ،
ولما داهم الخطر الأرض الشامية والمصرية وتحرك المغول بجيوشهم لكي يقضوا على المماليك إتخذ قطز حينذاك عدة إجراءات دفاعية منها: الترحيب بالهاربين من المماليك، وتناسيه الضغائن والأحقاد والخلافات التي كانت بينه وبينهم، وعزل الملك المنصور علي لصغر سنه وعدم قدرته على ترتيب الأوضاع التي تحتاج إلى حزم ووحدة، وقيادة قادرة على محاربة المغول وذلك سنة 657هـ/1259م، وتحضير الإمكانيات وحشد الطاقات البشرية والاقتصادية ومحاولة التحالف مع الملك الناصر صاحب الشام، وتوحيد القوتين ليكون الجيش أقوى في مواجهة أعدائه [5] ، لقد كان سياسيًا إستراتيجيًا مخططًا أكثر منه مقاتلًا إذ إستطاع في مدة بسيطة أن يسوس بلاد الشام، وأن يحسن إلى الشعب، ويقدم له الأمن والسلامة والاستقرار، وأن يهيء له سبل العيش الكريم، وأن ينظم الأمور الإدارية، ويعين
(1) البداية والنهاية (17 ـ 405) .
(2) المصدر نفسه (17 ـ 411) .
(3) سيف الدين قطز، قاسم عبده صـ164.
(4) معركة عين جالوت صـ124 ..
(5) المصدر نفسه صـ126.