فيه بعض وقته وإحتمى به وهو يصيح، من جرحني؟ فقالوا: (الحشيشية) فقال: لا والله إلا البحرية! والله لا أبقيت منهم بقية، وضمد جراحه، فاجتمع أمراء المماليك، وقرروا قتله وقالوا: بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها ودخل ركن الدين بيبرس وفارس أقطاي وغيرهما من أمراء المماليك البحرية إلى البرج وهم شاهرون سيوفهم ففر تورانشاه إلى أعلى البرج، وأغلق بابه والدم يسيل من يده، فأضرموا النار في البرج ورموه بالنشاب، فالقى تورانشاه نفسه من أعلى البرج، وهو يصيح مستنجدًا: ما أريد ملكًا دعوني أرجع إلى الحصن يا مسلمين، أما فيكم من يصطنعني ويجبرني [1] ، فلم يجبه أحد وأخذ يركض نحو النيل ونبال المماليك تأخذه من كل جانب حتى ألقى بنفسه في الماء على أمل أن يسبح إلى أحدى سفنه الراسية ليعتصم بها، ولكن سرعان ما لحق به اقطاي فقتله، وتركت جثته على شاطئ النيل ثلاثة أيام دون أن يتجاسر أحد على دفنه إلى أن شفع فيه رسول الخليفة العباسي، فحمل إلى الجانب الآخر من النهر ودفن، بعد أن حكم واحدًا وستين يومًا [2] ، وقيل مدة سلطته بالمنصورة نحو أربعين يومًا، لم يدخل فيها إلى القاهرة ولا طلع قلعة الجبل ولم يعتلي سرير الملك [3] ، وبوفاة تورانشاه انقضت دولة بني ايوب بعد أن أقامت إحدى وثمانين سنة وسبعة عشر يومًا، وكان تورانشاه آخر من تولى السلطنة من بني أيوب [4] ، على أن بعض المصادر ذكرت أن الدولة الأيوبية بخلع شجرة الدر [5] ، فقد ذهب مجموعة من المؤرخين أن حكم شجرة الدر استمرارًا للحكم الأيوبي، وأما في بلاد الشام فقد حكم الدولة الأيوبية لعدة سنوات أخرى [6] .
إن أسباب سقوط الدولة الأيوبية كثيرة جامعها هو الابتعاد عن تحكيم شرع الله في أمور الحكم وغيرها، فقد وقع الظلم على الأفراد وتورط بعض السلاطين في الترف وحدث بينهم نزاع عظيم سفكت فيه الدماء وأدى ذلك إلى زوالهم، فعندما يغيب شرع الله في أمور الحكم ـ كما حدث في الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين ـ يجلب للأفراد والدولة تعاسة وضنكًا
(1) النجوم الزاهرة (6 ـ 371) .
(2) كتاب الروضتين نقلًا عن الدولة الأيوبية د. عكور صـ 262 ..
(3) بدائع الزهور نقلًا عن الجواري والغلمان صـ 416.
(4) المصدر نفسه صـ 416.
(5) عجائب الآثار (1 ـ 51) ، للجبرتي الجواري صـ416.
(6) الدولة الأيوبية د. عكور صـ266.