ثم هذه التربية المتميزة نبغ من بين هؤلاء من خلّد التاريخ بطولاتهم، وسجل على صفحاته امجادًا عظيمة للمسلمين من تصديهم للمشروع المغولي والقضاء على الوجود الصليبي في ديار المسلمين، يقول بروكلمان في شأنهم: وعدت الاجيال التالية عصر بيبرس كما عدت عهدي الرشيد وصلاح الدين ـ أحد العصور الذهبية في الإسلام [1] .
4 ـ نظام الأكل والثياب والراحة: كان لتعليم المماليك نظام دقيق، فليس لهم أن يخرجوا من مقرهم، إطلاقًا، لا سيما ليلًا، وكان عليهم أن يذهبوا إلى الحمام يومًا في الأسبوع، ويكون أكلهم اللحم والأطعمة والفواكه والحلوى، والفول المسلوق وغير ذلك، وكانوا يتسلمون كسوات فاخرة، وقد يأخذون مرتبًا قليلًا قد يصل إلى ثلاث أو عشرة دنانير في الشهر [2] ، وكان السلطان يذهب ليتفقد أحوالهم من طعام وغيره، ولكن منذ عهد السلطان برقوق سمح للمماليك بالخروج من الطباق والمبيت خارجها في القاهرة، بحيث أصبحت فقط مكانًا لتعليمهم، ويلاحظ المقريزي أن ذلك جرَّ إلى نسيان تقاليد المماليك في التعليم بالطباق وأنهم أخلدوا إلى البطالة، وسعوا إلى نكاح النساء، حتى صارت المماليك أرذل الناس وأدناهم [3] .
5 ـ نظام التخرج وإنهاء الدراسة: كانت الدراسة في الطباق بين أربعة أو خمسة عشر شهرًا، وإن كانت أحيانًا تمتد إلى عدة سنين، فإذا إنتهت الدراسة، أعتق المملوك، ويكون الإعتاق بالجملة ويقام له إحتفال خاص يحضره السلطان والأمراء وذلك بناء على شهادة تسمى إعتاق أو عتاقه [4] ، فسلم المملوك سلاحًا وفرسًا ولباسًا خاصًا (( قماشًا ) )وإقطاعًا يبقى له مدى الحياة، وحينئذ يسمى عتيقًا أو معتوقًا ـ جمعها معاتيق ـ ومعتقه يسم أستاذه أما رفاقه المتحررون معه، فيسمون خشداشية [5] ، مفردها خشداش وكان المماليك المتخرجون يقسمون أقسامًا، لكل جماعة منهم باش أو نقيب، أما الذين يصلون إلى الإمارة وهي مرتبة تهيء الوظاف الكبرى الحاكمة في البلاط والجيش أو حتى للسلطنة نفسها وكان من المفروض أن المملوك لا يحصل على الإمارة إلا بعد أن ينتقل من مرتبة إلى مرتبة، فلا يليها إلا وقد تهذبت أخلاقه وكثرت آدابه وامتزج بروح الإسلام وبرع في الشئون الحربية، بحيث من كان
(1) تاريخ الشعوب الإسلامية نقلًا عن أباطيل يجب أن تمحى صـ 341.
(2) الخطط (3/ 348) دولة المماليك، سمير فراج صـ32.
(3) دولة المماليك، سمير فراج صـ32.
(4) المصدر نفسه صـ32.
(5) أي زميل الخدمة.