القصر، وكانت شجرة الدر ما تفتأ تروي واقعة سقوطه من على ظهر جواده، لكنهم استمعوا إليها في ريبة، فقد شهد أيبك معارك كثيرة خاضها وهو يحارب من على ظهر جواده لكنها في كل مرة كانت تصر وتؤكد الواقعة [1] ، وأحيط بشجرة الدر، وواجها أمراء المماليك فلم يكن أمامها إلا أن تعترف بأنها أرادت الإنتقام، لكن لم يخطر ببالها أبدًا أن ذلك سيؤدي إلى وفاته وتشاور أمراء المماليك فيما يصنعون، لقد وقفوا مع شجرة الدر بادئ الأمر، وصنعوا منها ملكة وسلطانة، وأحاطوها برعايتهم وحمايتهم، حتى في أصعب الأوقات، وباركوا زواجها من عز الدين أيبك، وساعدوها على أن تصبح زوجة السلطان، فكيف ترتكب هذه الفعلة النكراء؟ وتتنكر على هذا النحو البغيض على أنهم انقسموا على امرهم، وانحاز بعض الأمراء إلى جانبها وأعادوا ما كان لأيبك من قسوة وغلطة وجبروت، فضلًا عن أن وجود شجرة الدر يعتبر ضروريًا كرمز للشرعية، فهي أرملة نجم الدين أيوب وأم أبنه خليل، ولها من الأيادي على مصر وعلى المماليك انفسهم الشيء الكثير البادي للعيان ورأى البعض الآخر أنها قد ارتكبت جريمة مرعبة، وكاد الأمر أن يتطور إلى حرب بين الفريقين، وأخيرًا انتصر أعداؤها وحُبست في أحد أبراج القلعة، ونودي بعلي، بن عز الدين أيبك السلطان الراحل، سلطانًا جديدًا ليخلف والده الراحل ويحدثنا أحد المؤرخين أن شجرة الدر كانت قوية في مواجهة الموت كما كانت قوية في مواجهة المدلهمات، فلمّا ايقنت من نهايتها أسرعت إلى خزانتها واستخرجت حليها ومجوهراتها جميعًا، وسحقتها سحقًا حتى لا تتزين بها غريمتها أم على زوجة السلطان الأولى وفي هذه الرواية شك كبير كذلك؛ فكيف لشجرة الدر، وهي سجينة في برج بالقلعة أن تسرع إلى خزنتها وتستخرج حليها، ثم تسحقها جميعًا حتى لا تتزين بها غريمتها أم على كما يقول المؤرخ [2] ؟
وفي خارج القصر هدأت الجموع التي أثارها انتشار النبأ ورضي الجيش بالسلطان الجديد بعد أن كان قد انقسم على نفسه بين مؤيد لشجرة الدر ومنكر لها، وتوقفت أعمال الشغب التي كانت قد انتشرت في القاهرة، وتجنّب أمراء المماليك شبح الفتنة التي كانت، تتهددهم، واقتيدت شجرة الدر إلى بلاط السلطان الجديد حيث كانت غريمتها أم على، زوجة أيبك الأولى قد أصبحت منها أم السلطان الجديد، وتمايلت أم علي فرحًا فكانت تنتظر فرصة كهذه منذ سبع سنوات، منذ أن هجرها زوجها أيبك وهجر
(1) شجرة الدرُّ قاهرة الملوك ومنقذة مصر صـ85 ..
(2) شجرة الدُّر قاهرة الملوك ومنقذة مصر صـ86 ..