وقد افتتحنا هذا الباب بقوله صلى الله عليه وسلم دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء وفي ذلك كفاية وقد أكثر الناس من القول في الحسد نظما ونثرا وقد بينا ما يجب ذلك وأوضحناه في كتاب التمهيد عند قوله صلى الله عليه وسلم لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ومن صحبه التوفيق أغناه من الحكمة يسيرها ومن المواعظ قليلها إذا فهم واستعمل ما علم وما توفيقي إلا بالله وهو وحسبي ونعم والوكيل وحدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال حدثنا ابن دحمون قال سمعت محمد بن بكر بن داسة يقول سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث السجستاني يقول رحم الله مالكا كان إماما رحم الله الشافعي كان إماما رحم الله أبا حنيفة كان إماما. انتهى
المسالة الحادية عشرة:
الفرق بين البدع والمصالح المرسلة
قال الإمام الشاطبي ما مختصره:
هذا الباب يُضْطَرُّ إلى الكلام فيه عند النظر فيما هو بدعة وما ليس ببدعة فإن كثيرًا من الناس عدوا أكثر المصالح المرسلة بدعًا، ونسبوها إلى الصحابة والتابعين، وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه من اختراع العبادات، وقوم جعلوا البدع تنقسم بأقسام أحكام الشريعة، فقالوا: إن منها ما هو واجب ومندوب، وعدوا من الواجب كَتْب المصحف وغيره، ومن المندوب الاجتماع في قيام رمضان على قارىء واحد.
وأيضًا فإن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين، فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص، ولا كونه قياسًا بحيث إذا عرض على العقول تلقيه بالقبول، وهذا بعينه موجود في البدع المستحسنة، فإنها راجعة إلى أُمور في الدين مصلحية ـ في زعم واضعيها ـ في الشرع على الخصوص.
وإذا ثبت هذا، فإن كان اعتبار المصالح المرسلة حقًا، فاعتبار البدع المستحسنة حق، لأنهما يجريان من واد واحد، وإن لم يكن اعتبار البدع حقًا، لم يصح اعتبار المصالح المرسلة.
وأيضًا فإن القول بالمصالح المرسلة ليس متفقًا عليه، بل قد اختلف فيه أهل الأُصول.