وقد تقدم نقل الإجماع على اطِّراح القسمين وعدم اعتبارهما، ولا يقال: إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه، إذ يلزم من ذلك خرق الإجماع لعدم الملاءمة، ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في أن المسكوت عنه كالمأذون فيه ـ إن قيل بذلك ـ فهي تفارقها، إذ لا يقدم على استنباط عبادة لا أصل لها؛ لأنها مخصوصة بحكم الإذن المصرح به، بخلاف العادات، والفرق بينهما ما تقدم من اهتداء العقول للعاديات في الجملة، وعدم اهتدائها لوجوه التقربات إلى اللّه تعالى.
فإذا ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضروري من باب الوسائل أو إلى التخفيف؛ فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في المندوبات؛ لأن البدع من باب الوسائل، لأنها متعبد بها بالفرض، ولأنها زيادة في التكليف وهو مضاد للتخفيف.
فحصل من هذا كله أن لا تعلق للمبتدع بباب المصالح المرسلة إلا القسم الملغى باتفاق العلماء، وحسبك به متعلقًا، واللّه الموفق.
وبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يَكِلْ شيئًا من التعبدات إلى آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، والزيادة عليه بدعة؛ كما أن النقصان منه بدعة.
انتهى من (مختصر كتاب الاعتصام للشاطبي) اختصار علوي السقاف - نسخة الكترونية
المسالة الثانية عشرة:
قال الإمام الشاطبي - رحمه الله - ما مختصره:
ثم نقول بعد هذا: إن اللّه سبحانه شرف أهل العلم ورفع أقدارهم، وعظم مقدارهم، ودل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، بل قد اتفق العقلاءُ على فضيلة العلم وأهله، وأنهم المستحقون شرف المنازل، وهو مما لا ينازع فيه عاقل.
واتفق اهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرًا عند اللّه يوم القيامة.
وأيضًا فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة الأُخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري مجرى المقاصد أعلى مما ليس كذلك، كعلم العربية بالنسبة إلى علم الفقه، فإنه كالوسيلة، فعلم الفقه أعلى.