وأما المرجئة، فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدُّون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة . ولما كان قد نسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متبعون، تكلم أئمة السنة المشاهير في ذم المرجئة المفضلة تنفيرًا عن مقالتهم، كقول سفيان الثوري: من قَدَّم عليًا على أبي بكر والشيخين فقد أزرى ( أي: حطَّ من شأنهم ) بالمهاجرين والأنصار، وما أرى يصعد له إلى الله عمل مع ذلك . أو نحو هذا القول . قاله لما نسب إلى تقديم على بعض أئمة الكوفيين . وكذلك قول أيوب السختياني: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين . وقد روى أنه رجع عن ذلك ، وكذلك قول الثوري ومالك والشافعي وغيرهم في ذم المرجئة لما نسب إلى الإرجاء بعض المشهورين .
وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جار على كلام من تقدم من أئمة الهدى، ليس له قول ابتدعه ولكن أظهر السنة وبينها، وذب عنها وبين حال مخالفيها وجاهد عليها، وصبر على الأذى فيها لما أظهرت الأهواء والبدع، وقد قال الله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) [ السجدة: 24 ] فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك قرنت باسمه من الإمامة في السنة ما شهر به وصار متبوعًا لمن بعده، كما كان تابعًا لمن قبله . وإلا فالسنة هي ما تَلَقَّاه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقاه عنهم التابعون ثم تابعوهم إلى يوم القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم وعليها أصبر . والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم ، والله أعلم .
قال الإمام الشاطبي رحمه الله ما مختصره:
المسألة السادسة: في تعيين هذه الفرق: