منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم، حتى زجرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (كلاكما محسن، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، ونحو ذلك، مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل. ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الإختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك ! وهذا عين المحرم . وكذا تجد كثيرًا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر والنهي عنه ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان ،كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات ، ونحو ذلك . ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها ! ونحو ذلك .
…وأما اختلاف التضاد، فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد . والخطب في هذا أشد ، لأن القولين يتنافيان، لكن نجد كثيرًا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقًا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلًا في البعض ، كما كان الأول مبطلًا في الأصل، وهذا يجري كثيرًا لأهل السنة.
وأما أهل البدعة ، فالأمر فيهم ظاهر. ومن جعل الله له هداية ونورًا رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا ، لكن نور على نور .