وذلك: أن الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن، وكلا الطهارتين من الدين الذى أمر الله به وأوجبه، قال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) [ المائدة: 6 ] ، وقال: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) [ التوبة: 108 ] ، وقال: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [ البقرة: 222 ] ، وقال: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [ التوبة: 103 ] ، وقال: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [ المائدة: 41 ] ، وقال: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [ التوبة: 28 ] ، وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [ الأحزاب: 33 ] .
فنجد كثيرًا من المتفقهة، والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع؛ اهتماما، وعملا . ويترك من طهارة القلب ما أمر به، إيجابًا، أو استحبابًا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك . ونجد كثيرًا من المتصوفة، والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط، حتى يزيد فيها على المشروع، اهتماما وعملا . ويترك من طهارة البدن ما أمر به، إيجابا، أو استحبابًا .
فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكِبْر، والغِلِّ لإخوانهم، وفى ذلك مشابهة بَيِّنةٌ لليهود .