المطلب الأول
الحديث إذا تلقته الأمة بالقبول صار حجة
إن الحديث المقبول هو اعم من الحديث الصحيح فقد يكون الحديث صحيحا او حسنا او ضعيفا وهو مقبول وقد يكون الحديث صحيحا او حسنا وهو غير مقبول وذلك؛ لأنه معارض من حديث اخر او يكون منسوخا او مخصصا.
والحديث الصحيح الذي خلا من المعارضة يجب العمل به بلا خلاف، وكذلك الحديث الضعيف اذا تلقته الامة بالقبول فقد ذهب جمهور الاصوليين الى انه يوجب العلم والعمل ويصير حينئذ كالمتواتر في الاحتجاج به [1] .
قال ابن عبد البر - وهو يتكلم عن حديث البحر هوالطهور ماؤه: (وهذا الحديث لا يصححون مثل إسناده [2] لكن الحديث عندي صحيح لان العلماء تلقوه بالقبول) [3] .
وقال ايضا - عن كتاب عمرو بن حزم في الفرائض والسنن: (وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل وهو عندهم أشهر وأظهر من الإسناد الواحد المتصل) [4] .
وقال ايضا: (وقد روي عن جابر بن عبد الله بإسناد لا يصح أن النبي صلى
(1) ينظر: التبصرة في اصول الفقه: 425، والمحصول في أصول الفقه: 115.
(2) اخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء: 1/ 22، برقم: 42، واحمد في مسنده، مسند أبي هريرة - رضي الله عنه: 2/ 237، برقم: 7232، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بماء البحر: 1/ 136، برقم 386، وابو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر: 1/ 69، برقم: 83، والترمذي في جامعه: كتاب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور: 1/ 100، برقم: 69، والنسائي في المجتبى، كتاب الطهارة، باب ماء البحر: 1/ 50، برقم: 59. وقد صححه الترمذي وغيره، ويفهم من كلام ابن عبد البر ان الحديث وان لم يصح سنده عنده ولكن يحتج به لان العلماء تلقوه بالقبول.
(3) التمهيد لابن عبد البر: 16/ 217.
(4) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار: لابن عبد البر، تحقيق: سالم محمد عطا - محمد علي معوض، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت - ط1، 2000م: 2/ 471.