لكن يظهر أن التطهير الذى قام به الحاكم المسلم يكن كاملا! فإن الصليبيين القدامى استجلبوا أعدادا كثيفة من إخوانهم آثرت البقاء على الأرض الإسلامية ظافرة بحرية العقيدة، مستريحة إلى مانالت من أمان وفى ظنى أن هذا لون من الاستعمار الاستطانى خطير العواقب، لأنه يتربص بالمسلمين النوائب حتى إذا اكفهر الأفق كشف عن سخائمه! ولذلك عندما سقطت بغداد تحرك هؤلاء حركة غادرة تستحق الدراسة. يقول الذهبى في كتابه:"دول الإسلام"عن أحداث سنة 658 أى بعد سنتين اثنتين من سقوط الخلافة العباسية:"وشمخت النصارى بدمشق، ورفعوا الصليب في البلد، وألزموا الناس بالقيام له من الحوانيت!! ونقضوا العهد، وذلك في الثانى والعشرين من رمضان، وصاحوا ظهر الدين الصحيح دين المسيح! ثم وصلت العساكر المصرية إلى الشام، وقصدتهم عساكر هولاكو يقودهم"كتبغا"- وهو مسيحى- ورقع الاشتباك في عين جالوت، فنصر الله دينه وانهزمت التتار، وقتل قائدهم! وجاء الخبرإلى دمشق في الليل، فوقع القتل والنهب في النصارى، وأحرقت كنيستهم العظمى..."إننى برغمى أقمص هذه الأنباء المؤسفة، لكن ماذا أصنع وأنا أرى جيش لبنان الجنوبى يحرس مستعمرات اليهود، وأتذكر مصارع العرب المدحورين في مخيمى"صبرا وشاتيلا"وهم يقتلون ركلا بالأقدام من أبناء الصليبيين القدامى، الذين لم يرحموا هزائمهم وتشردهم ونكباتهم المتتابعة... ثم تجىء في هذا العصرأحداث لبنان، ويقدم الرؤساء العرب اتفاق الطائف على أساس أن يرأس الدولة مسيحى عربى يتعاون المسلمون معه تعاونا شريفا! وهيهات أن يقع الصلح! المطلوب نظام سياسى يتعاون مع إسرائيل على محو العروبة والإسلام، ويتسع به الجرح في كيان الأمة التى دوختها الفتوق والخروق مأساة الحاضر صورة من مأساة الماضى، فهل من رجل يصرخ:
ص _117