الصفحة 132 من 194

اختلاف العلماء، ليعرف منه تعدد المذاهب، وتنوع المآخذ والمشارب، وأن لكل منهم وجهته وأدلته التى يستند إليها، ويقول عليها، وكلهم يغترف من بحر الشريعة وما أوسعه. ومن أجل ذلك أكد علماؤنا فيما أكدوه وجوب العلم باختلاف الفقهاء كوجوب العلم بما أجمعوا عليه، فإن اختلافهم رحمة واتفاقهم حجة. وفى هذا قالوا: من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بعالم. من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم أنفه رائحة الفقه. ينهون عن القليد... ويقلدون! وآفة كثير من الدخلاء على العلم أنهم لايعرفون إلا رأيا واحدا ووجهة واحدة، أخذوا عن شيخ واحد أو انحصروا في مدرسة واحدة، ولم يتيحوا لأنفسهم أن يسمعوا رأيا آخر، أو يناقشوا وجهة مخالفة، أو يجيلوا أنظارهم في أفكار المدارس الأخرى. والعجيب في أمر هؤلاء أنهم ينهون عن التقليد، وهم في الواقع مقلدون، رفضوا تقليد الأئمة القدامى وقلدوا بعض المعاصرين، وأنهم ينكرون المذاهب، وقد جعلوا من آرائهم مذهبا خامسا، يقاتلون دونه وينكرون من خالفه! وأنهم ينكرون علم الكلام القديم ومافيه من جدليات وتزيدات، وقد أنشئوا بأقاويلهم علم كلام جديدا، لايهتم بغرس اليقين في القلوب بقدر ما يغرس في القلوب حب الجدل في أمور العقيدة. إن موقف هؤلاء من الحقيقة موقف العميان من الفيل في القصة الهندية المشهورة، فهم لايعرفرن إلا ما وقعت عليه أيديهم، ولو وسعوا آفاقهم لعرفوا أن الأمر يتسع لأكثر من رأى وأن الآراء المتعددة يمكن أن تتعايش وإن اختلفت وتعارضت، المهم هو الإنصاف وترك التعصب، والاستماع إلى الآخرين، فقد يكونون أصوب قولا وأصح فهما. وكم من دارس منصف رجع عن تعصبه وغلوائه حين عرف أن في المسائل أقوالا عدة لعلماء معتبرين.

ص _141

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت